قرأت عدة مقالات تستعرض تقرير الحالة الدينية الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية عن مصر، وفيما يلي ملخص بأهم النقاط التي وردت فيه:
 
معلومات
                     نسبة أعداد المسيحيين في مصر تتراوح بين 8% و 12 %.
                      عدد الشيعة في مصر 1%.
                      عدد اليهود في مصر 125 شخصاً كلهم من كبار السن.
 
انتقادات
                      انتقد التقرير النص في الدستور المصري على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع معتبراً أن هذا يتعارض مع المادة رقم 46 والتي تنص على حرية المعتقد الديني.
 
                      هاجم التقرير قواعد الميراث الإسلامية، خاصة ما اعتبره إجحافاً بحق المرأة التي تحصل على نصف الرجل في الميراث… وأشار لأول مرة إلى قضية حرمان المسيحيات المتزوجات من المسلمين من الميراث بسبب اختلاف الديانة.
 
                      انتقد التقرير الحكومة التي لا توفر للمسلمين المتحولين إلى المسيحية أية إجراءات تحمي حقوقهم ومنها تعديل سجلاتهم المدنية لتعكس وضعهم الديني الجديد.
 
                      انتقد التقرير ولاية الأزهر على الشأن الديني في مصر، ورأي أن منح مجمع البحوث الإسلامية حق مراجعة ومصادرة الكتب الدينية يتعارض مع حرية الرأي والتعبير.
 
                      انتقد التقرير تحمل الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الأوقاف دفع رواتب الأئمة وعمال المساجد في أكثر من مائة ألف مسجد مصري من ضرائب المصريين، في حين لا تقوم بعمل مماثل فيما يخص الكنائس المصري,
 
                     واصل التقرير إدانته للمرسوم الهمايونى العثماني الصادر سنة 1856 الخاص ببناء الكنائس فى مصر، وتجاهل القرار الجمهوري رقم 291 لسنة 2005 الذي فوض المحافظين بإصدار الموافقات على بناء وترميم الكنائس بدلا من رئيس الجمهورية كما كان منصوصا علية فى المرسوم السابق الإشارة له .
 
                     انتقد التقرير المضايقات التي يتعرض لها جماعة الإخوان المسلمين، واستمرار اعتقال الآلاف من أعضاء الجماعات الإسلامية، ، وممارسة التمييز ضد المنتمين لطائفة شهود يهوه المسيحية، وطائفة الأحباش الإسلامية .
 
                     رفض التقرير ما أسماه إصرار المسئولين الحكوميين على اعتبار التصريحات المعادية للسامية في وسائل الإعلام المصرية هي رد فعل للممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وطالب بإجراءات أكثر حسماً لمنعها.
 
                     انتقد التقرير ما اعتبره عدداً مبالغاً فيه من البرامج الإسلامية في التليفزيون والإذاعة الحكومية، مقارنة ببرنامج مسيحي واحد أسبوعياً على قناة النيل الثقافية.
 
                     اعتبر التقرير قرار الحكومة بذبح نحو 400 ألف خنزير العام الماضي لمنع انتشار مرض إنفلونزا الخنازير قراراً تمييزياً ضد المسيحيين الذين يتملكون مزارع تربية الخنازير داخل المناطق العشوائية في مصر.
 
                     انتقد التقرير عدم قيام الحزب الوطني بترشيح أعداد كبيرة من الأقباط على قوائمه الانتخابية.
 
                     انتقد التقرير التمييز الذي يتعرض له المسيحيون والبهائيون على المستوى الشخصي والاجتماعي فيما يتعلق بتولي الوظائف الحكومية ، وبناء وترميم دور العبادة.
 
                     انتقد التقرير تعرض بعض أفراد الشيعة ، والقرآنيين ، والمتحولين من الإسلام إلى المسيحية في مصر لمضايقات حكومية.
 
                     أشار التقرير إلى فشل الحكومة المصرية في التصدي للحالات المتكررة من أعمال العنف ضد المسيحيين، وتقاعسها عن تحويل مرتكبيهما إلى المحاكمة، وبطء إجراءات التقاضي.
 
                     انتقد التقرير الحكومة في تراخيها وتباطؤها في إصدار القوانين الخاصة بالأقليات خاصة قانون دور العبادة الموحد، وقوانين الأحوال الشخصية لغير المسلمين.
 
                     انتقد التقرير مبادرات الحكومة بعقد جلسات الصلح بين المسلمين والمسيحيين ، لأن تلك الجلسات غير الرسمية ساهمت في خلق مناخ الإفلات من العقاب ، وتشجع أعمال العنف ضد الأقباط ، وهي تحول دون اللجوء إلى النظام القضائي .
 
                     وجه التقرير النقد إلى بعض أحكام القضاء الإداري والتي رأي أنها تنطوي على تحيز وتمييز ديني.
 
                     اعتبر التقرير تكرار أحداث المصادمات الطائفية دليلاً على عدم احترام المجتمع المصري المسلم للحريات الدينية.

دعوات ونصائح
 
                      دعا التقرير الحكومة المصرية إلى السماح بالتبشير بالمسيحية وانتقد اعتقال من يقوم بذلك من المصريين والأجانب، وقالت إن القبض عليهم يتعارض مع الدستور والقانون المصري.
 
                      طالب التقرير بإقرار الزواج المدني، والسماح  للمسلمات بالزواج من غير المسلمين، معتبراً أن التقيد بأحكام الشريعة في هذا الخصوص ينطوي على تمييز وعنصرية حيث يسمح للمسلم بالزواج من غير المسلمة ولا يسمح للمسلمة بالقيام بذلك.
 
                      طالب التقرير بالاعتراف بالديانات الوضعية كالبهائية وغيرها، وتسجيلها في الوثائق الرسمية والسماح بالتزاوج والميراث بينهم وبين المسلمين.
 
                      طالب التقرير بحظر ارتداء الحجاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ولم ير أن إجراءات الحكومة كافية أو مثمرة بحظر ارتدائه في المرحلة الابتدائية تماماً، أو السماح بارتدائه بطلب من ولي الأمر في المراحل الأكبر.. و طالب بحظر تام غير مشروط في جميع المراحل.
 
                      طالب التقرير بإغلاق كل الزوايا والمساجد الصغيرة التي لا تشرف عليها وزارة الأوقاف، ونوه بقرار وزير الأوقاف الذي فوض فيه المحافظين بإغلاق الزوايا غير الخاضع للوزارة.
 
                     طالب التقرير بزيادة أعداد المسيحيين في أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، ورأي أن 5 أعضاء مسيحيين من أصل 25 عضو هو عدد غير كاف.
 
                     طالب التقرير بضرورة قبول طلاب مسيحيين للدراسة في كليات جامعة الأزهر، باعتبار أن الأزهر يمول من أموال دافعي الضرائب ومنهم مسيحيون.
 
                     طالب التقرير المجلس الأعلى للآثار بإعطاء الأولوية ورصد الميزانيات لترميم والحفاظ على الآثار اليهودية والمسيحية في مصر ، وإعطاء الطائفة اليهودية حق إدارة تلك الآثار.
 

مبادرات
                     كشف التقرير عن قيام السفارة الأمريكية بالقاهرة بالتحقيق في الشكاوى التي تصل إليها بخصوص التمييز الديني، وبمتابعتها لوسائل الإعلام المصرية في مسألة معاداة السامية، وبالضغط على المسئولين المصريين بهذا الخصوص.
 
                     كشف التقرير عن قيام الحكومة الأمريكية يتمويل العديد من البرامج والمبادرات الخاصة بتشجيع الحرية الدينية في مصر، وعدد المنظمات المدنية التي تعمل معها في هذا المجال.
 
                     كشف التقرير عن دور الحكومة الأمريكية في تدعيم لقنوات العلمانية لتوسيع الثقافة العلمانية في المجتمع المصري المحافظ.
 
                     كشف التقرير عن دور السفارة الأمريكية في تقديم مبادرات خاصة بصياغة المناهج التعليمية باللغتين العربية و الإنجليزية بما يخدم قضايا التسامح الديني ، وأشار إلى ملاحظاته المتكررة للمسئولين المصريين عن وجوب تخفيف المقررات الدينية سواء المقررة على طلاب التعليم الأزهرى ، أو التعليم المدني.
 
                     كشف التقرير عن دور السفارة في تمويل العديد من المبادرات التي تروج للحوار بين الأديان وقبول الآخر خاصة في مناطق التوترات الطائفية في صعيد مصر.
 
                     كشف التقرير عن أن كبار المسئولين الأمريكيين على اتصال دائم بمكتب حقوق الإنسان فى وزارة الخارجية المصرية، ومع غيرهم من المسئولين الحكوميين المصريين، والمحافظين والنواب البرلمانيين والنشطاء الحقوقيين وممثلي الجماعات البهائية واليهودية والقبطية في مصر.
 
إشادات
 
                     أشاد التقرير أيضا بخطاب الرئيس مبارك، الذي قال فيه، إنه فى الدولة المدنية الحديثة “لا يوجد مكان لأولئك الذين يثيرون النعرات الطائفية، أو الذين يفرقون بين المسلمين والمواطنين الأقباط”.
 
                     أشاد التقرير بتعيين أساتذة جامعيين أقباط بمناصب أكاديمية هامة.
 
                     أشاد التقرير بإصدار القضاء المصري عدداً من الأحكام التي أدانت جرائم فتنة طائفية ارتكبت ضد مواطنين مسيحيين.
 
                     أشاد التقرير بإعلان عقد الأزهر والفاتيكان اللجنة المشتركة للحوار بين الديانات الذي ركز الحوار على فهم العنف الطائفي، وأسبابه.
……………….
 
تعليقي على التقرير
 
                     التقرير نموذج آخر لعمى البصيرة الأمريكي في التعامل مع الواقع العربي. وهو مكتوب كمعظم التقارير الأمريكية ليشرح من أمريكي لأمريكي عن شأن أمريكي. ورغم أن القسم الخاص بمصر في التقرير الذي يغطي معظم دول العالم يتحدث عن أحداث تتعلق بمصر، إلا أنه لا يخص مصر ولا يهمها. إنه يقدم للمصريين حلاً أمريكياً لمشكلة أمريكية. إنه يذكرني بالعبقرية الأمريكية التي تريد أن تحل مشكلة السلام العربي الإسرائيلي، فبدلاً من أن تطلب من إسرائيل أن تتوقف فوراً عن أعمالها المخالفة للقانون الدولي، تجري متلهفة للعرب بالإنجاز الهائل الذي حققته بالتفاوض مع إسرائيل، وهو مكافأتها بمنح ومزايا وحوافز وضمانات مكتوبة تمتد لعشرات السنين، مقابل إيقاف الاستيطان – فيما عدا القدس- لمدة 90 يومياً. يا مس كلينتون: إنت عبيطة وإلا بستعبطي؟!!
 
 
                     هذا التقرير الذي يصدر منذ سنوات طويلة كل عام بدأ يفقد أهميته في الأعوام الأخيرة. وقد بات استخدامه من قبل الحكومة الأمريكية للضغط على الدول المختلفة طريقة بالية لا تؤتي ثمارها. وشهد تقرير هذا العام انتقادات واسعة على محتواه ليس فقط من دول العالم الثالث وإنما من دول مثل فرنسا وألمانيا وإنجلترا… التي رأت أن ورود اسمها في التقرير إهانة لها، وتدخلاً في شأنها الداخلي.
 
 
                     بالرغم من الشكل الاحترافي الذي صيغ به التقرير، إلا أنه يضع علامات استفهام كبيرة أمام مصادر المعلومات والنتائج التي توصل إليها، إذ من الواضح أنه تمت صياغته من فئات يهمها تعديد بنود الاتهام، أكثر مما يهمها معرفة الحقيقة على الأرض، والعمل على حل المشكلات الحقيقية. وأذكر في هذا المقام أنه قدم أحد العرب واسمه أحمد غيلاني إلى القضاء الأمريكي متهماً ب 285 تهمة، (حتى إذا أفلت من تهمة وقع في غيرها). ولكن القاضي الأمريكي من أيام قام بتبرئته منها جميعاً تهمة تهمة. وكان مشهداً في غاية الإثارة.. أن يقرأ القاضي التهمة كاملة… ثم يقول بعد تلاوتها: براءة… فعل ذلك 285 مرة.  لا أقول إن مصر بريئة، وأن الحكومة المصرية حانية على شعبها، ولا أن المصريين ملائكة، ولكن يا عباقرة إعداد التقارير الأمريكية… أفيقوا… فليست هذه هي "التهم الأولى بالعناية" إذ استعرنا الطريقة الأمريكية في التعبير.
 
 
                     لست في معرض مناقشة مصادر المعلومات الأمريكية ولا التشكيك فيها. ولا يحتاج الأمر إلى خبير ليكتشف كم الأخطاء والمغالطات الواضحة في التقرير. فهذه أول مرة ينشر فيها أن نسبة الأقباط في مصر من (8-12%) والشائع في معظم التقارير العملية أنهم في حدود 5-6% إلا إذا كانوا يتناسلون بعيداً عن التسجيل الحكومي للمواليد. كما أنها أول مرة أسمع فيها أن الشيعة 1% (حوالي 800 ألف نسمة)، وأنا لا أظن أن عددهم يمكن أن يصل حتى إلى 8000 فرداً. كما لست بصدد مناقشة بعض الاستنتاجات المجحفة مثل أن نقل حظائر تربية الخنازير تمييز ديني، أو أن البهائية دين، أو أن القرآنيين جماعة دينية، ولا أنا بصدد إعلان الرفض المطلق لفكرة انتقاد المعتقدات والتعاليم الدينية مثل الحجاب والميراث والردة، ولا أنا بحاجة لإعلان الدهشة من البجاحة الأمريكية في التدخل في الشأن الداخلي المصري الخاص بمواد الدستور أو السماح بالزواج المدني (لمسلمة من مسيحي) أو مرتبات الأئمة أو شروط القبول في جامعة الأزهر، أو المقررات الدينية في التعليم أو أحكام القضاء. ولكني مضطر لإعادة التأكيد على أن مثل هذه التقارير لا تصدر عن مختصين، ولا قيمة علمية أو قانونية أو حتى ديبلوماسية لها.
 
 
                     حاول التقرير أن يتذاكى ويكسب صفة المحايدة، فأشار باقتضاب إلى المضايقات الحكومية لجماعة الإخوان، واستمرار اعتقال بعض منتسبي الجماعات الإسلامية. بينما تغافل عن عمد الإشارة إلى دور الكنيسة اختفاء السيدتين وفاء وكاميليا، ورفض الكنيسة المصرية تنفيذ أحكام القضاء المصري، والدور المشبوه التي تقوم به بعض جمعيات الدفاع عن حقوق الأقباط في المهجر.
 
 
والخلاصة أن…
 
التقرير الأمريكي للحالة الدينية، صدر ممن ليس له حق للحديث عن مصر ولا معرفة له بما يجري فيها. والطريقة الأمريكية الساذجة في رؤية العالم بالمنظار الأمريكي لن تفيد شيئاً. فمشكلة مصر الكبرى ليست ختان الإناث، ومشكلة أفغانستان الرهيبة ليست نقاب المرأة، ومشكلة السعودية المدمرة ليست تطبيق حد الزنا، ومشكلة السودان العويصة ليست حدود التعزير.
 
 
لا أقول إن مصر خالية من المشاكل، ولا أدعي أنها بلد العدل والإنصاف والمساواة. ولكن أقول، عندما تذهب لك امرأة جائعة لم تأكل من عدة أيام، ورضيعها على كتفها يصرخ من الجوع والهزال… فأنت تهينها وتثبت غباءك إذا قدمت للمرأة – حلاً لمشكلتها- علبة مكياج من إيف سان لورانوقدمت لابنها لعبة بالريموت كونترول من تويز آر أس.
 
 
والتقرير لا يساعد المصريين أبداً على التخفيف من الاحتقان الطائفي بل على العكس فإنه بتحيزه لطرف على حسب طرف يدفع الطرفين لمزيد من التعصب واستدعاء الثارات القديمة. ويبدو أن الهدف الوحيد منه هو إحراج الحكومة المصرية واستخدامه كورقة لممارسة المزيد من الضغوط عليها. ولكنها هذه المرة ورقة محروقة… لأن ما جاء به لا يعبر عما يحتاجه المصريون، بل عما يحتاجه الأمريكان.
 
 
و لا أحب أبداً أن أقع في منزلق المعايرة… فأقول إنه لو كتبت جهة منصفة عن تقرير الحالة الدينية الأمريكية بنفس المنطق الذي كتب به التقرير عن مصر، لوجدنا فضائح أشد، ورزايا أعمق، وخطايا أشد إيغالاً في الثقافة الأمريكية وسلوك الأمريكان.
 
 
 وفي التقرير بعض المعلومات الصحيحة التي لم نكن ننتظر التقرير لنعرفها، وبعض النصائح المفيدة التي نعرف أكثر منها. ونحن بحاجة بالفعل إلى تقرير مصري مواز أمين ونزيه. يعبر عن مشاكلنا الحقيقية بحجمها الحقيقي، ويقدم حلولاً منا ولنا.
 
 
وبعيداً عن هذه التقارير بعناوينها وأقسامها وتوصياتها المعدة سلفاً…
 
 
فإني أبحث عن تقرير حقيقي للحالة الدينية في مصر… يخبرني هل أصبح المصريون– مسلمين ومسيحيين- أقرب لربهم وأخلص في عبادتهم، وأفضل أخلاقاً في تعاملهم مع جيرانهم وأهلهم وشركائهم؟!!
 
هذه هي الحالة الدينية الحقيقية…
 
وهي حالة -كما تعلمون – … تصعب على الكافر.
 
Advertisements