ليس خافياً أن المستهدف بتفجير الإسكندرية الأخير لم يكن إخواننا الأقباط وإنما استقرار مصر السياسي والأمني. ولذلك يجب أن نكون واعين، وألا ننزلق لأي دعاوى فتنة أو طائفية كأن يقول أحدنا: يستاهلوا… أو غلطتهم… أو هذا رد فعل… أو هذا هو حكم الشرع. فهذا كله كلام ساقط… يجب أن نمنعه من أن يرد في أذهاننا فضلاً عن أن يتردد على ألسنتنا أو أن نسمح بنشره.

ما حدث جريمة آثمة وعمل جبان لا يقره شرع أو دين أو عرف أو فطرة سليمة. والقائل بغير ذلك عليه أن يذهب إلى مصحة علاج نفسي أو أن يذهب إلى السجن. والمحرضون على هذا الفعل الأثيم ليس لهم جزاء أقل من الإعدام وتطبيق حد الحرابة.

يجب أن يكون صوت الإدانة عالياً واضحاً حاسماً غير متردد وبدون استثناء وحيد.

أي استثناء في الإدانة أو أية محاولة للبحث عن تبرير هي محاولات جاهلة أو مشبوهة وتحقق للمجرمين غرضهم من إشعال الفتنة… هذا ليس وقت تنظير وتعليم وجدل ونقاش فقهي… وإنما وقت رجال ومواقف…

وكل عمل طائفي أو تحريضي من أي جانب يجب أن يقابل بكل حزم.

إنني لا أخجل من أن أقول الآن وفي كل وقت:
إن تطبيق الدين لا يمكن أن يقوم على أنقاض الوطن…
إن ديناً يحض على العنف والكراهية هو دين مزيف….
وإن شيخاً ينادي بقتل الأبرياء هو شيخ دجال ومضلل.
وإن شاباً يفجر نفسه ليقتل مجموعة من الأبرياء الذين يحتفلون بعيدهم هو في النار.

ولا أدري كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وهو يقول لي ولك:

"إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا" (رواه مسلم)

يا رسول الله صلى الله عليه وسلم…
اللهم إنا نبرأ إليك مما فعل السفهاء منا.
,,,,,,,,,

وتأتي مضاعفة إثم هذا العمل الجبان من أنه اعتداء على إحدى دور العبادة، ونحن مأمورون شرعاً بحمايتها والحفاظ عليها، حتى ولو كلفنا ذلك حياتنا.

فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران أماناً شمل سلامة كنائسهم وعدم التدخل في شؤونهم وعباداتهم ، وأعطاهم على ذلك ذمة الله ورسوله، يقول ابن سعد: "وكتب رسول الله لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته".

كما ضمن الخليفة عمر بن الخطاب في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، حقوق النصارى، وجاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم ؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم . ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم .. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين ".

وتكررت هذه العهدة بهذا النص لأهل البلاد المفتوحة، فاستفاد منها أهل اللد وأهل الرقة وأهل الرها وغيرهم.

وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها : "بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم ، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء والمؤمنين".

وتضمن كتابه صلى الله عليه وسلم لأهل عانات عدم التعرض لهم في ممارسة شعائرهم وإظهارها: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم".

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار".

وحين أخل بعض حكام المسلمين بهذه العهود تم تصحيح هذا الخطأ في العهود التالية، ومنه أن الوليد بن عبد الملك لما أخذ كنيسة يوحنا من النصارى قهراً، وأدخلها في المسجد، اعتبر المسلمون ذلك من الغصب، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكا إليه النصارى ذلك، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاد في المسجد عليهم، فاسترضاهم المسلمون، وصالحوهم، فرضوا.

كما شكا النصارى إلى عمر بن عبد العزيز في شأن كنيسة أخرى في دمشق كان بعض أمراء بني أمية أقطعها لبني نصر، فردها إليهم.

قال أبو الوليد الباجي: " إن أهل الذمة يقرون على دينهم ويكونون من دينهم على ما كانوا عليه، لا يمنعون من شيءٍ منه في باطن أمرهم، وإنما يمنعون من إظهاره في المحافل والأسواق".
…………

ستمر بإذن الله هذه الفتنة، وسينجح الشعب المصري الذكي في أن يضرب مثلاً لوحدته وتضامنه… ليس في الإسكندرية فقط ولكن في كل قرية ونجع من نجوع مصر. الذين تبرعوا بالدم لإنقاذ المصابين هم مصريون… والمستشفيات التي تلقت المصابين هي مستشفيات مصرية… والأطباء والممرضين الذين شاركوا في العلاج هم مصريون…

والذين سوف يخرجون في مظاهرات التنديد والاستنكار يجب أن يكونوا أغلبية من المسلمين…

وأنا أدعو قادة الدعوة السلفية في الإسكندرية… كما خرجوا صباح الجمعة لاستنكار استبقاء كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين رهن الاعتقال من الكنيسة… أن يخرجوا وبأعداد أكبر وبمشاركة إخوانهم الأقباط للتنديد بضحايا الاعتداء الغاشم والجبان على الكنيسة… حتى يقطعوا كل لسان خبيث يتهمهم بأنهم وراء هذه الجريمة البشعة… وليثبتوا للعالم أجمع أن مباديء الإسلام لا تتجزأ… وأن حمايته لغير المسلمين هي جزء من العقيدة، وليس شعارات جوفاء للاستهلاك المحلي.

إن الغضب لشائعات عن إسلام هذه أو تلك، أو تنصر هذا أو ذاك… هو غضب ساذج لا أفهمه إلا تنفيساً عن غضب آخر مكتوم…

أما الغضب لقتل وترويع الأبرياء فهو الغضب الحقيقي… وهو الغضب الفطري… وهو الغضب المتفق مع ما ينادينا به الإسلام الحنيف.

هذا هو الإسلام الذي نعرفه…
ومن يقول بغير ذلك، لا يعرف الإسلام ولا الإسلام يعرفه.
…………..

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
 

Advertisements