تقول العرب: ذهبت السَكْرَة (الحماس العاطفي مع الحدث المفاجيء) وجاءت الفكرة (قياس الفعل ورد الفعل واتخاذ القرار)…
 
هذا حديث عن سكرة حادث الإسكندرية الأليم … أقدم بعده مجموعة من الأفكار.
 
السكرة
هذا أسبوع تضميد الجراح وتطييب الخواطر ولم الشعث والاحتضان وضبط النفس واستيعاب الغضب.
 
هذا أسبوع المشاعر الإنسانية النبيلة التي ترفض لون الدم دون أن تسأل عن ديانته، وتنكر طعم الإرهاب وهي تعرف أنه بلا مروءة ولا قضية، وتؤجل الفرح بالعيد حتى يتم محاسبة الفاعل الجبان فرداً كان أو جماعة أو دولة.
 
هذا أسبوع نقول فيه لإخواننا المسيحيين ما حدث لكم لا يقره الإسلام، ومن فعله لا يعرف شيئاً عن تعاليم ديننا الحنيف. وأول الضحايا بائع سبح ومصاحف. مصابكم مصابنا… وضحاياكم ضحايانا… والاعتداء عليكم اعتداء علينا… فنحن مطالبون شرعاً بحمايتكم والدفاع عنكم.
 
هذا أسبوع نقول فيه للعالم أجمع… تضامن المسلمين والأقباط وتلاحمهم هو الذي يحمينا… الأغلبية المسلمة الكاسحة هي التي احتضنت الأقباط لأكثر من ألف عام، وهي التي سوف تحتضنهم إلى يوم القيامة. والمصري المسلم أقرب للقبطي من المسيحي الأمريكي أو الإيطالي.
 
هذا أسبوع نقول فيه للشامتين والأعداء والمتربصين موتوا بغيظكم… أبطلنا فتنتكم. نحن أوعى من أن نستدرج لمعركة كلنا فيها خاسر، وأذكى من أن نسمح لحادث جبان أن يحول مصر إلى صراع بين مسلمين وأقباط… لأننا نعرف أنه صراع بين راغبين في تمزيق الوطن وبين معتصمين بوحدته وأمنه. ونحن مع الوحدة ضد التقسيم، و مع المحبة ضد الإرهاب.
 
هذا أسبوع السكرة… ونرجو أن يمر على خير… حتى يحتفل إخواننا الأقباط بعيد الميلاد المجيد يوم الجمعة 7 يناير… فكل عام وهم بخير… وكل عام ومصر بمسلميها وأقباطها بأمن وسلام.
 
وبعد السكرة تجييء الأفكار.
وهي تحتاج إلى عقل يحسن الإنصات والتأمل والإنصاف.
في السكرة تتحد المشاعر… وقد اتحدت على حب مصر.
وفي الفكرة تختلف الآراء…
ولا يأس أن نختلف في حب مصر أيضاً.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
 
المسكنات
هل يمكن هذه المرة أن نتقدم بحل يختلف عن "المسكنات" التي اعتدنا عليها لسنوات، حتى أصبحت خالية من الفاعلية وأصابتنا بقرحةفي الوطن؟!
 
هل يمكن أن نكف مرة عن الوصفات ال"بلدي" مثل: شيخ يحتضن قسيساَ، وأغاني وحدة وطنية رديئة الكلمات والألحان والأصوات، وبيانات سياسية من مسئولين بلا شعبية ولا مصداقية. ومثل هذه الوصفات لو وضعت على العين المعطوبة لأصابتها بالعمى، وعلى الجرح الغائر لحوله إلى غرغرينا مسممة.
 
في بداية السبعينات شكل الرئيس السادات لجنة شهيرة لمناقشة أسباب ما سمي بأحداث الزاوية الحمراء… عرفت باسم لجنة العطيفي وكيل مجلس الشعب أيامها، أصدرت توصيات لم ينفذ منها الكثير. نريد لجنة عطيفي جديدة برئاسة طارق البشري أو كمال أبو المجد أو غيرهما من رموز الاعتدال والاستقلال في مصر(ليس في مجلس الشعب الحالي من يمكن أن يقوم بهذا الدور).. على أن تعمل الحكومة على تنفي توصياتها لا تلقي بها في الأدراج.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
 
 
القضية
أيا ما كان ما ستنتهي إليه التحقيقات. وبغض النظر عن الفاعل… فأنا أقول لكم لا مستقبل للإرهاب لأنه بلا قضية.
 
نحن مع المقاومة في فلسطين ولبنان لأنها مقاومة تحمل "قضية". أما إذا أصبح العنف "أداة" خالية من القضية… فمصيره الاستنكار والإدانة ثم الزوال.
 
لو صح أن القاعدة وراء هذه الحادثة الأثيمة… فهل تفضل الفاعلون المجرمون بالإعلان عن قضيتهم؟ من هو العدو الذي يحاربونه ولماذا صار عدوا؟ ماذا تريدون بهذا الفعل الجبان؟ ما هي الرسالة التي تودون أن ترسلونها؟ إلى أي حد هذه الرسالة إنسانية ونبيلة؟
 
الإرهاب عنف أهوج بلا قضية ولا قيمة ولا مبدأ.
 
لا مستقبل للإرهاب… فالتعاطف يكون للرسائل النبيلة والقضايا العادلة.
أما تفجير دور العبادة وترويع الآمنين فهو فعل جبان
لا هو رسالة ولا قضية…
لا هو عادل ولا هو نبيل.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
 
الغضب- البغض
للأقباط كل الحق في الغضب… ولو كنا مكانهم لكان غضبنا مثلهم شديدا.
ولكن ليس لهم أي حق في البغض…
حتى صدق من بعضهم قول الحق في أمثال هذه الأفعال: "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر"…
 
أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقد في الكنيسة وحضره شيخ الأزهر والمفتي ووزير الأوقاف في حضور البابا، كان بإمكانك أن تسمع الهتافات البذيئة الصادرة من الشباب في ساحة الكاتدرائية… ولم يعط البابا إشارة واحدة ل" شعبه" بأن يتوقف عن السباب، وكأنه يريد لممثلي المسلمين أن يسمعوا هذه الإساءات في حضوره.
 
قال شيخ الأزهر تعليقاً على الهتافات البذيئة التي كان يسمعها بأذنيه إنه كان يؤدي واجباً، ومن يؤدي الواجب فعليه أن يتحمل. وأن ما أساءه أنها كانت تحمل مشاعر عدائية، وأنه لن ينساها مع الزمن. نعم سنتحمل حتى نؤدي الواجب، ولكن بعد أدائه فلا أحد يقبل ولا أحد يتحمل.
 
نقبل الغضب ولا نقبل البغض.
الغضب مشروع وتجاوز الحد مرفوض.
وبعد أن تذهب السكرة… فعلى كل مخطيء أن يدفع الثمن.
وإلا عاد الأمر كما كان في الانتخابات…
الكلمة للبلطجية…
وهيبة الدولة خرجت ولم تعد.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
 
الابتزاز
أزعجني أن اللغة الغالبة في تعليقات عدد كبير من مثقفي الأقباط على هذا الحادث كانت هي لهجة الابتزاز.
 
وهي لغة مرفوضة جملة وتفصيلاً.
 
وعلينا أن نكون واضحين وحاسمين…
 
أن الإدانة للجريمة لم يتخلف عنها واحد من قادة المسلمين في مصر بما فيهم المؤسسات الدينية الرسمية والإخوان والجماعات السلفية والدعاة المستقلون… وهذا ليس اعتذاراً – فأياً من هؤلاء لم يقم بارتكابها ولا التحريض عليها- وإنما هو تضامن تمليه المسئولية الوطنية والالتزام الديني.
 
لا يجب أن تختلط الأوراق. ويتم استثمار الجريمة لصالح سلسلة متعاقبة من الضغوط والابتزاز ولي الذراع لتحقيق مطامع قبطية لو سمح بها الآن تحت وطأة التعاطف الشعبي والضغط الدولي لأثرت على استقرار الوطن في المستقبل.
 
هناك فرق بين المطالب والمطامع.
 
إن القوانين التي تنادي بها الجماعات القبطية الغاضبة كما لو كانت حلاً للمشكلة القبطية – مع أنها لا علاقة لها بالأزمة من قريب أو بعيد- لو خرجت في عجل ودون دراسة متأنية فسيكون لها آثار سلبية غير قابلة للترميم.
 
إن التصعيد الذي يمارسه بعض الأقباط، والضغوط الدولية المصاحبة له تجعلنا نتشكك كثيراً ونحن نبحث عن المستفيد من وراء هذه الجريمة… وبالتأكيد فإن مسلمي مصر هم آخر من يستفيد من هذا العمل الجبان، وآخر من يفكر في تنفيذه.
 
ولا يقف مسئول أو زعيم ديني مسلم ضد إصدار قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين فهذا هو ما تنادي به الشريعة الإسلامية… ولكن على المسيحيين بطوائفهم المختلفة في مصر أن يتوقفوا عن الخلاف بشأن بنوده، وعليهم أن يتفقوا أولاً على نصوص فقراته، وعندها يصبح صالحاً للعرض تمهيداً لإقراره.
 
أما قانون دور العبادة الموحد فهو يحتاج إلى مراجعات متعددة لأن الوضع الحالي بالغ التعقيد. ولن تتعلق نتائجه فقط بحقوق الأقباط في إنشاء أو ترميم كنائس جديدة ولكنه أيضاً سيمس واقع الكثير من المساجد والزوايا وأماكن العبادة الإسلامية والمسيحية الموجودة حالياً.
 
فالمشكلة ليست فقط في قواعد تنظيم دور العبادة الجديدة، ولكنها أساساً في تكييف أوضاع دور العبادة الحالية مع القانون المنتظر. وهو ما يعني مراجعة تراخيص البناء للعديد من المساجد والكنائس وأغلبها مخالف لأصل الترخيص.. ومنها كنيسة القديسين التي تعرضت لهذا الحادث الغادر، والتي كانت في الأصل ترخيصاً بورشة بلاط… وكنيسة العمرانية التي حدثت بها المظاهرات القبطية الأخيرة والتي كانت ترخيصاً بمبنى خدمات إدارية.
 
و ثمة عشرات من البنود التي تحتاج إلى مراجعة مجتمعية موسعة، وليس قانوناً يكتب في السر ويصدر في السر… فعلى سبيل المثال فإن مسئولية إدارة المساجد تقع على وزارة الأوقاف، فهل ستخرج المساجد من ولاية الوزارة لتصبح تحت ولاية جهة جديدة أو جهاز جديد مسئول عن "دور العبادة" بغض النظر عن دينها حتى يضمن تناسق التطبيق.
 
لا اعتراض على الاستماع إلى وجهة نظر الأقباط، ولا على الاستجابة لمطالبهم المشروعة، ولا على مدنية الدولة المصرية، ولا حقوق المواطنة المكفولة بالدستور، ولكن:
 
·       الاعتراض على أن يظن الأقباط وهم أقلية لها كل الحقوق والاحترام أنهم قد أصبحوا أغلبية لهم حق التشريع بغض النظر عن مصالح شركائهم في الوطن، خاصة أن هؤلاء الشركاء المسلمين يمثلون أكثر من 94% من السكان.
 
·       الاعتراض على أن تتحول المطالب المشروعة إلى مطامع طائفية تغري الخارج بالتدخل باسم الدين فينتهي الأمر في مصر إلى صراع طبقي يؤدي إلى تفتيت الدولة المصرية كما حدث في العراق ولبنان ويحدث في السودان تنفيذا لمخطط صهيوني لن يشعر بالأمن إلا وسط جيران من دويلات صغيرة متنافرة.
 
·       الاعتراض على أن تصبح الكنيسة دولة داخل الدولة تنتهك سيادة القانون باسم التمسك بالإنجيل ويصبح ولاء الأقباط لرأس الكنيسة لا لرئيس الدولة. فهذا يغري بعض المتشددين المسلمين على الجانب الآخر أن يفعلوا الشيء نفسه فيمارسوا الإرهاب باسم الجهاد، والترويع باسم تطبيق الحدود، والنهب والسلب باسم استعادة الحقوق.
 
·       الاعتراض على أن تصبح الكنائس أماكن غير خاضعة للرقابة والسيطرة، ما يفقد الدولة هيبتها، ويسمح للإشاعات أن تتردد وللثقة أن تفتقد بين عنصري الأمة المصرية الواحدة عبر القرون.
 
·       الاعتراض على أن يصبح التهديد بالشكوى للمنظمات والجهات والدول الخارجية هو الجملة المتكررة في أي حوار إسلامي قبطي، وكأن الأقباط في مصر محبوسون في الجحور وكأنه ليس منهم الوزير والمحافظ والمستشار، وكأن ليس 3 من أكبر 10 مليارديرات عرب هم أقباط مصريون صنعوا ثروتهم في مصر، وكأنهم لا يسيطرون على أكثر من 30% من الاقتصاد المصري وهو ما يماثل 5 أضعاف نسبة تمثيلهم في المجتمع، و 40% من إيداعات البنوك وهو ما يماثل حوالي 7 أضعاف أمثالهم من المسلمين المصريين.
 
·       الاعتراض على أن نسمع لأول مرة في مصر – وبتأثير من أقباط المهجر، وبدعوى حماية الأقباط من الاعتداء- مصلحات مثل: الثورة القبطية، تحرير مصر من المحتلين، الغزو الإسلامي، أصحاب الأرض (الأقباط) والضيوف (المسلمون).
 
·        الاعتراض على أن يتحول الأقباط إلى شوكة في حلق النظام بعد أن كانوا دائماً أداة من أدواته في مواجهة تيار الإسلام السياسي … ولأول مرة نسمع أن الأقباط لا يلومون المسلمين وإنما يتهمون النظام. ولا يحتمون بالرئيس المصري وإنما بالرئيس الأمريكي، وهو ما يغير تماماً من قواعد اللعبة. خاصة في ظرف يبحث فيه المرشح المنتظر للرئاسة عن تأييد يكون مصحوباً في العادة بعشرات التنازلات.
 
بنفس القوة والعزم والتصميم الذي أدنا به جريمة التفجير الغادرة… من منطلق ديني ووطني…
ندين بنفس القوة والعزم و التصميم ومن نفس المنطلق… كل محاولات استخدام هذه الجريمة وسيلة للابتزاز السياسي والتقسيم الطائفي.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
 
المناعة
في وقت السكرة تختلط الأوراق… وتهتز القيم… ويغيب عن بعض القرارات دواعي الحكمة والاتزان…وتضيع بعض الثوابت وسط تشويش من المجاملة والنفاق... وينشط المنتفعون وأصحاب المصالح الخاصة لعلهم يحصلون على بعض المكاسب في الزحام.
 
وتتأثر المجتمعات إذا كان الهجوم الخارجي مكثفاً ومحكماً، وكانت المناعة الداخلية ضعيفة ومهتزة.
 
وسواء صح وصف ما حدث بأنه حدث إرهابي أو عمل مخابراتي أو حادثة فردية… فإن مجرد حدوثه دليل على ضعف المناعة.
 
ولا يمكن أن نعزو ضعف المناعة إلى سبب واحد تتركز عليه الجهود، وإنما ضعف المناعة هو تراكم متغيرات كثيرة وفي اتجاهات متعددة ولسنوات طويلة.
 
المسئولية عما حدث هي حصيلة تراجع في التعليم والإعلام والثقافة والسياسة والمستوى الاجتماعي. والخوف ليس من الحدث نفسه ولكن من تداعياته التي يمكن أن تكون غير محسوبة، وأن يتطور الغضب إلى استفزاز، والاستنكار إلى اعتداء، ثم تتحول المسألة إلى سلسلة مجنونة من الفعل ورد الفعل المضاد.
 
ولذلك يصبح الحديث عن المناعة أولوية قصوى.
 
لكن الكثير مما أتابعه تحت عنوان "المناعة"، والمفترض فيه أن ينتهي إلى دعم الجبهة الداخلية أراه مزيداً من صب الزيت على النار، وتعميقاً للمشكلة أكثر منه بحثاُ عن حل.
………
 
في وقت السكرة نادى البعض بالعلمانية الشاملة التي تعني استبعاد الدين (الإسلامي والمسيحي) تماماً من التوجيه، وأن تتخذ القوانين الغربية نموذجاً للاحتذاء والتقليد. وهذا ليس حلاً وإنما كارثةعلى المسلمين وعلى الأقباط وعلى مصر.  
 
نعم يجب أن تصاغ القوانين وفق حوار مجتمعي يتوافق عليه أصحاب المصلحة، ولكن هذا لا يعني أن ما صلح في فرنسا يصلح لمصر، وما تم تطبيقه في بروكسل يصلح للتطبيق في أسيوط والإسكندرية.
 
هناك خصوصية للمجتمعات العربية والإسلامية… وإنكارها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والاضطرابات.
 
لا يمكن تطبيق قانون منع ارتداء الرموز الدينية (الحجاب والصليب) في مصر… ولسنا بحاجة إلى هذا القانون. والنبتة التي نبتت وترعرعت في أرض ليس بالضرورة تصلح لكل أرض. والجهل بمباديء الزراعة يفسد النبات والأراضي على حد سواء.
 
ولا حاجة بنا إلى أن "نصلي صلاة مشتركة" ليحمي الله مصر من الفتن والشرور… فيكفي أن يصلي كل منا صلاته في دار عبادته بطريقته، فهذا أدعى أن يقبلها الله تعالى، أما الصلاة المشتركة فهي طقس دعائي للتصوير التليفزيوني وليس للالتجاء إلى الله في المحن.
 
وقال البعض بإلغاء مادة الدين في المدارس، وتحويل حصته إلى حصة للتربية الوطنية والأخلاق… والمشكلة ليست في أننا ندرس الدين في المدارس وإنما في أننا لا ندرسه… المشكلة ليست في مدرسي الدين، المشكلة في أن من يدرس الدين لا يعرف شيئاً عن الدين. وهل الدين مع العبادة إلا تربية وطنية وأخلاق. المشكلة ليست فيما تقوله المدرسة للتلاميذ… المشكلة فيما يقوله لهم آباؤهم وأمهاتهم.
 
وقال البعض فليخرج المصريون إلى المظاهرات للتضامن مع إخوانهم المسيحيين حاملين للصليب. ولا أرى سبباً يضطر من أجله مسلم أن يحمل الصليب، أو يضطر من أجله قبطي أن يحمل المصحف… فإذا خرج المصريون معاً للتضامن فليخرجوا كمصريين كما يعملون ويدرسون ويأكلون كمصريين لا كمسلمين وأقباط.
 
وقال البعض اسمحوا للأقباط أن يدرسوا في الأزهر… فالأقباط يدفعون من ضرائبهم ليتعلم الطلبة المسلمون. وهذا منطق أحمق… ولو سمحنا بمثله لقلنا: إن المسلمين يدفعون من ضرائبهم ليمولوا حماية أكبر للكنائس والتعليم اللاهوتي. ولو سمحنا بمثل هذا المنطق لقلنا: أعيدوا الأوقاف الإسلامية لأصحابها، كما أعدتم الأوقاف القبطية للكنيسة.
 
وطالب البعض بإغلاق المزيد من القنوات الإسلامية "المتطرفة"، وبتحويل بعض قادة ورموز الفكر الإسلامي مثل الدكتور العوا والدكتور عمارة والدكتور زغلول النجار إلى المحاكمة بتهمة التحريض ضد الأقباط… وبدا الأمر وكأن المسلمين ارتكبوا جريمة العداء للمسيحية (مثل العداء للسامية). وقد أضير المسلمون من هذا الحادث أكثر مما أضير الأقباط… حتى أن ابني على بعد آلاف الأميال يقول في خجل ماذا أقول لزملائي بعد عودتي من الإجازة… قلت له قل: هذا عمل لا يقوم به مسلم ولا يرضى عنه مسلم.
 
ولا ننكر أن ثمة أفكاراً متطرفة تسربت من بعض المشايخ على بعض القنوات الإسلامية… لكنها حالات معدودة ومرصودة، وبدت جميعاً كرد فعل… أما غير المعدود وغير المرصود فهي القنوات والمواقع القبطية المخصصة فقط للهجوم على الإسلام والتطاول عليه.
 
أتحدى أن يوجد موقع إسلامي أو قناة إسلامية مخصصة فقط للهجوم على النصارى… نعم توجد مواضيع وأفكار وآراء متشددة… ولكنها لا تزيد في مجملها لا تزيد عن اختيارات فقهية غير موفقة أو لا تعطي اعتباراً كافياً لظروف العصر. ويتم النقاش فيها بين المسلمين دون أن تتحول هذه النقاشات إلى أعمال عدائية موجهة لغير المسلمين.
 
ولكن على الجانب المسيحي هناك "متخصصون" عملهم الوحيد هو الهجوم على الإسلام والتطاول على معتقدات المسلمين وتراثهم، وهذه يذكي الفتنة ويضعف جانب المعتدلين من الإسلاميين.
 
وطالب البعض بكوتة للأقباط في المجالس النيابية والجامعات والمحافظين وأجهزة الأمن…. والعقلاء من الجانبين يجب أن يكونوا ضد فكرة المحاصصة… والتخصيص بحكم الدستور أو القانون… أذكر أنه عندما عين الرئيس محافظاً قبطياً على غير هوى البابا شنودة… علق بسخرية: ده محافظ على نفسه. ولم يعجبه اختيار الرئيس من الأعضاء الأقباط   في مجلس الشعب مؤخراً…
 
وإذا كان ثمة شيء يحتاج إلى مراجعة فهو الوضع الدستوري والقانوني لرئيس الكنيسة القبطية في مصر… بما يؤكد مدنية الدولة التي ينادي بها الجميع.
…………………
 
وبعد……
 
فعلينا ونحن نقدم التهنئة لإخوتنا الأقباط بمناسبة عيد الميلاد المجيد…
 
أن نخرج من السكرة إلى الفكرة أكثر إيماناً بمصلحة الوطن…
علينا أن نتحاور على أرضية العقل والمصلحة والتراث الطويل من العيش المشترك… وأن نتمسك بالقيم النبيلة التي يدعو إليها ديننا المسيحي والإسلامي … وأن نلفظ كل ما من شأنه أن يثير الفتنة أو يؤجج المشاعر أو ينتصر لقوى الفتنة والتطرف والعداء.
 
حمى الله مصر وأهلها من كل مكروه وسوء.
 
وكل عام وأقباط مصر ومسلميها بخير وسلام…
 
 
Advertisements