تذكرون العبارة الشهيرة التي يقولها المذيع قبل إعلانه عن الأذان.. حين يقول: "حان الآن موعد أذان المغرب حسب التوقيت المحلي لمدينة لقاهرة وعلى المقيمين خارجها مراعاة فروق التوقيت".

وهو تذكير مهم… لأن عدم مراعاة فروق التوقيت قد يبطل صيام الصائم، وصلاة المصلي.

الكثير من الفتاوى التي أقرأها الآن وينشرها بعض المحسوبين على العلماء، وتنقل بالنص من كتب فقهية كتبت من أكثر من 700 عام، وبعضها كتب في عصور الانحطاط والضعة والتفكك، ويعاد نشرها اليوم باعتبارها هي حقيقة الإسلام وعين اليقين وإجماع المسلمين وما جرى عليه العمل عبر القرون وغير ذلك من العبارات الإنشائية الفضفاضة… هذه الفتاوى أبسط ما يقال فيها إنها لا تراعي فروق التوقيت.

نحن لا ننكر الفتاوي… ولا نرفضها… ولا نمانع من دراستها في قاعات الدرس ولا نتهم العلماء الأجلاء الذين كانوا وراء إصدارها… فقد قاموا بما أملاه عليهم واجبهم حينها، وأصدروا هذه الفتاوى بما يناسب ما درسوه وعرفوه من النصوص وواقع مجتمعاتهم حينها.

فقط نريد أن ندرسها تحت عنوان: "تاريخ الفقه"، وليس "مراد الله".. والفرق بينهما كبير… فالتاريخ تاريخ فيه قوة وضعف وانتصار وانكسار وتوفيق وعدم توفيق… أما مراد الله فليس لنا أمامه إلا القبول والتسليم… وهذا لا يكون إلا لنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة…

هل الاجتهاد المطالبة به الأمة والتي تأثم بتجاهله و إهماله إلا مراعاة لفروق التوقيت؟ ولو لم تكن هذه المراعاة مطلوبة فما الحاجة إذن إلى التجديد والاجتهاد؟!!

هل لو كانت إجابات كل أسئلتنا موجودة في الكتب القديمة… ويمكن العثور عليها بالبحث على الإنترنت… هل لو كانت هذه هي الحالة فسنكون في حاجة لوظيفة اسمها: "مفتي"، ولشخص اسمه "عالم".؟!!

ولا أحد يطالب بتفريغ الدين من مضمونه، ولا بإهمال النصوص المقدسة، ولا بإعدام التراث، ولا بإلقاء هذه الفتاوى إلى البحر… ولكن فقط بمراعاة العصر…

ولا ندعو أن يقوم بذلك الصحفيون وكتاب الدراما فضلاً عن الأدعياء والدهماء والعوام… وإنما يقوم به العلماء المتخصصون المحققون لشروط الاجتهاد.. كما يقوم علماء الفلك بتحديد مواعيد الأذان واتجاه القبلة وفق علوم دقيقة متخصصة.

عدم مراعاة فروق التوقيت في الأذان يبطل الصلاة، أما عدم مراعاة فروق التوقيت في الفتاوى، واستخراج الفتاوى الشاذة وأحياناً المضحكة أو المشينة… ونسبتها إلى الدين والدفاع عنها بالحق وبالباطل… فهذا يفقد الناس الثقة في الدين.

لا يمكن أن يكون الدين قرينا للعنف والكراهية والتسلط والاستبداد والجهل والخرافة… وهي عناوين يمكن وضعها بسهولة أمام كثير من الفتاوى القديمة التي لا تراعي فرق التوقيت.

هذا التقديس للقديم لمجرد أنه قديم… والتأثيم للحديث لمجرد أنه حديث… من شأنه يشكك الناس في الدين نفسه وفي مصداقيته وفي إيماننا بأنه صالح لكل زمان ومكان.

ليس من التعدي على الدين في شيء أن يقوم عالم متخصص ثقة ، ويقول: آسف هذا الرأي لم يعد يناسب هذا العصر…

موافقة العصر ليست سبة ولا خطيئة.. وليست تمييعاً للدين، بل هي في رأيي المتواضع أهم واجب يريده الدين من علماء الدين الثقات المستوعبين لمقاصد التشريع.

لا اعتراض لنا على الأذان… الاعتراض على عدم مراعاة فروق التوقيت.

وبدون مراعاة فروق التوقيت في الأذان وفي الفتاوى …
فنحن على خطر من أن يقبل الله منا الصلاة والصيام والقيام والركوع والسجود.
………………

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

Advertisements