قرأت في أحد المنتديات الأجنبية حواراً لطيفاُ حول موضوع الكذب والخداع عند الحيوانات. وكان بدايته سؤال افتراضي من أحد المشاركين يقول فيه: هل يمكن لكلب أن يقول لكلبة: أنا أحبك، و هو في الحقيقة يضحك عليها ويحب صديقتها؟!!

وانتهي الحوار إلى أن هناك صفة غريبة في الإنسان لا وجود لها في سائر المخلوقات من جماد ونبات وحيوان… وهي أن الإنسان وحده دون سائر المخلوقات يستطيع أن يظهر على غير طبيعته، وأن يظهر بخلاف ما يبطن، وأن يدعو الآخرين لشيء لا يعمل به ولا يؤمن به.

جادل البعض بأن الحرباء تتلون، وأن الأخطبوط والسحالي والضفادع بل والدب القطبي قادرون على تغيير ألوان غطائهم الخارجي، وأشكالهم حتى يحموا أنفسهم عند تعرضهم للخطر… لكني لم أجد في ذلك كذباً أو خداعاً مقصوداً… وإنما هو استجابة لغريزة الدفاع عن النفس، وليس تحقيقاً لمصلحة من وراء الكذب والخداع كما هو الحال في الإنسان.

الزهرة والبرتقالة والباذنجانة لا تستطيع أي منها أن تمثل دور الأخرى، أو أن تخدع الأخرين فتخرج الباذنجانة في صورة ثمرة مانجو، أو يتغير طعم البرتقالة إلى طعم الموز… لكن الإنسان ببعض تقنيات الهندسة الوراثية الشيطانية يستطيع أن يستخدم النباتات في مثل هذه الخدع.

لا يكذب الحديد والخشب والنحاس ولا يتلون ولا يظهر على غير حقيقته. وإذا رأيت بقرة فهي بقرة… وليست فيلاً أو فأراً.. والجمل جمل والكلب كلب.. إذا غضب أظهر غضبه، وإذا تألم أبان عن ألمه، وإذا انتكس لم يستطع أن يداري انتكاسته.
…………..

إلا الإنسان.

إنه المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يكون غير نفسه… يتظاهر بالشفقة وهو يضمر الانتقام.. يقدم الوعد وفي نيته أن يخلفه.. ويظهر المودة وهو يضمر الكراهية، ويدعي التدين وهو رأس المنافقين، ويكتب ويخطب ويعظ عن القيم والمباديء والأخلاق وهو نذل خسيس.

أعجبتني عبارة لأحدهم يقول فيها: "إن اللغة لم تخترع للتعبير عن النفس ولكن لإخفاء ما فيها، وليس الغرض منها الإبانة عن المشاعر والأفكار وإنما التمويه بغرض حجب الناس عن الحقيقة".

وتقول هرتا مولر الروائية والشاعرة الرومانية الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب لعام 2009: " في عهد الديكتاتورية، كانت اللغة أبرز وسيلة الى خداع الناس. وبعثت لغة الديكتاتورية في نفسي الاشمئزاز. فالهوة كبيرة بين ما نسمع عن الازدهار وسعادة الشعب وبين ما نشهده بأم العين من انهيار. ولاحظت عند قراءة كتاب فيكتور كليمبرير عن لغة الرايخ الثالث أن لغة الديكتاتوريات تتشابه ".

إذا قال الكلب لكلبة: أنا أحبك. فهو بالفعل يحبها.

وإذا قال الزعيم لشعبه: أنا أحبك. فهو في الأغلب يخدعه.

وعموما: صدق الكلب ولا تصدق الزعيم.

…………..

الإنسان -دون سائر المخلوقات- اخترع عمليات التجميل.. تجميل الوجه وتجميل التصرفات وتجميل الوعود… وكلما كان الإنسان أبرع في الكذب والخداع.. كلما كان أكثر شهرة وبريقاً ولمعانا.

والغريب أن الإنسان كما هو بارع في أداء دور المخادع، هو بارع أيضاً في أن يكون مخدوعاً… بل إنني أكاد أجزم أنه قد نِشأ العبيد أولاً… ثم ظهر على إثرهم السادة… وخلق الله المخدوعين أولاً ثم خلق بعدهم الخادعين ليخدعوهم.

ولا أعجب حين أعجب من المواطنين السذج الذين يصدقون السياسيين وهم يقدمون الوعود الكاذبة والأماني الخادعة… بقدر ما أعجب من الطغاة الذين يتوحدون مع الكذب والخداع حتى يصدقوا أنفسهم أنهم مصدر الاستقرار والأمان، وأن الشعب يعشقهم ويفديهم بدمه، وأنهم بعيدون عن عوادي المرض والهرم والموت.

رقد أحد الطغاة على فراش الموت، وتأخرت حالته الصحية حتى لم يكن بينه وبين الرحيل إلا أياماً معدودة… وتجرأ أحد معاونيه وقال له: يا سيادة الرئيس هل تمانع أن تظهر على الناس للمرة الأخيرة، وتقول للشعب كلمة موجزة وتودعهم فيها. فقال الرئيس بدهشة: أودعهم؟… ليه هو الشعب ماشي ورايح فين؟!!

"وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"
>>>>>>>>>>>>
>>>>>>>>>>
>>>>>

Advertisements