يزعجني هذا الغياب المشبوه لعلماء الدين المخلصين عن إعلان كلمتهم في انتفاضة الشعب المصري على نظامه. وقد سمعت تعليقهم على ثورة التونسيين على نظام زين العابدين بن علي، فوجدت أكثرهم يقر الشعب على ما قام به من إسقاط هذا النظام السلطوي الغاشم… أما عندما جاء دور الرئيس المصري تراجعوا… ولا أدري هل ما هو حلال في تونس حرام على المصريين؟!!
 
إن كلمة الحق ليست أن تقول: "هذا نظام فاسد… الحمد لله أنه سقط"… ولكن أن تقول: "هذا نظام فاسد… فلنعمل على إسقاطه". كلمة الحق ترتبط بمحتواها، وترتبط أكثر بتوقيت إعلانها.
  
ولا يزال فهم كثيرين لعلاقة الدين بالحرية والعدالة والحق مشوهاً ومحجوباً وراء جدار سميك من الفهوم المشوشة التي تصور الدين علاقة خاصة بين الإنسان وبين الله، وتفقده واحدة من أهم أهدافه وهي إصلاح القلوب من أجل إصلاح المجتمعات. وتصوره عند آخرين مجرد أداء روتيني شعائري للعبادات وتطبيق حرفي صوري لأحكام فقهية تجاوزها الزمن.
 
كما لا يزال البعض مصراً على أن التوصيف الوحيد لعلاقة الحاكم بشعبه هي ما يقتضيه الحديث الشريف: "اسمع وأطع ولو ضرب ظهرك وسرق مالك". ولا تعليق لي على صحة الحديث وإنما تعليقي على هذا الاختزال الساذج لهذه العلاقة الحيوية الديناميكية الفعالة وحصر هذه العلاقة في هذا الفهم الجزئي القاصر، متجاهلين عشرات الآيات والأحاديث الأخرى وسلوك المسلمين علماء وقادة ومعارضين مع حكامهم عبر التاريخ، وهو ما يشكل بجملته إطاراً كاملاً لهذه العلاقة بداية من مواصفات الحاكم و شروط اختياره وواجباته و طبيعة البيعة حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبته ومساءلته، وانتهاء بخلعه وعزله إذا اقتضى الأمر… وكثيراً ما يقتضي.
…………
 
في عام 1953، وبعد عدة أشهر من قيام ثورة يوليو في مصر أصدر الشيخ الأستاذ خالد محمد خالد كتابه: "الدين للشعب"، وقد كانت كتابات الشيخ خالد محمد خالد قبل الثورة – ودون أن يدري- واحدة من الكتابات التي ألهمت الضباط الأحرار، وألهبت عزيمتهم للقيام بها للتحرر من الظلم والفساد.
 
الكتاب كان في أساسه عدداً من الأحاديث التي ألقاها في الإذاعة المصرية في بداية الثورة – قبل أن يطالبه قادته بالتوقف- والتي أراد من خلالها ألا تفقد الثورة الوليدة ارتباطها بالحس الإسلامي ولا بالضمير الإنساني. وابتدأ هذه السلسلة من الأحاديث بقوله:
 
"غايتنا من هذه الأحاديث أن نزود الوعي الجديد بمبررات دينية صادقة، ونضع أمام عقل الشعب وقلبه المفاهيم الحقة لكلمات السماء. وغايتنا أيضاً أن ننفي عن الدين عبث العابثين ولغو المبطلين حتى يفيء إليه أولئك الذين شردوا منه أو كادوا… وحتى يأنس إليه الناس في يقين وحب ويتخذوا منه في رحلة الحياة رفيقاً وعضداً".
 
ولا زالت لكلمات الأستاذ خالد محمد خالد ألقها ونضارتها رغم عشرات السنين، ذلك أنها صدرت من قلب صادق استحضر المعاني النبيلة في هذا الدين، وصاغها في أرق عبارة وأنصع بيان… وها أنا أختار لكم بعضاً منها (مع تصرف يسير)، لتضيء لنا الطريق في أيامنا القادمة الصعبة والدقيقة.
 
هذا هو ديننا الذي نؤمن به ونفخر بالانتماء إليه……..
…………………..
 
" لا بديل للحرية… وليس في نعيم الدنيا كلها ما يصلح أن يكون ثمناً لها، أو عوضاً عنها".
………….
 
" أول وثيقة سجلت حقوق الإنسان كانت وثيقة دينية… ولم تتم صياغتها على الأرض وإنما في السماء، حين قال تعالى لآدم أول البشر (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى)".
…………..
 
" توقير الله ورعاية حقوقه… يقتضيان توقير الإنسانية ورعاية حقوقها".
……….
 
" لا نبالة للدم… ولا امتياز بالوراثة.. ولا كرامة لمال أو نسب (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)".
……..
 
"(إني جاعل في الأرض خليفة) لا بد أن يتاح للإنسان من فرص الكرامة والعزة والسيادة ما يجعله أهلاً لتمثيل إله اتصف بالعزة والكبرياء والسيادة… وهذا هو معنى: (كونوا ربانيين)".
………….
 
"مَنْ مِنْ رسل الله عليهم السلام يقبل ضميره الحي التقي أن يحمل وزر تجويع الجماهير الكادحة؟"
………….
 
"الفارق بين الملكية والاحتكار أو بين الثراء والفساد كالفارق بين رجل يحمل في يده قرشاً وآخر يحمل مشرطاً ينهب به جيوب الناس".
………….
 
" ليس الدين إلا استجابة حية لأماني البشر وتصويراً صادقاً لطبائع الأشياء… (كل ما يعرض باسم الدين ضد الأماني المشروعة والطبائع السوية هو دين مكذوب)".
…………
 
"المؤهل الوحيد للحاكم – أي حاكم – هو ثقة الشعب، فإذا اختفى هذا المؤهل اختفى الحاكم لفوره وساعته".
………..
 
"الإسلام إذ يزكي حكومة الشورى يترك للناس حرية اختيار وسائلها وتحديد غاياتها ورسم مناهجها ووضع دستورها".
…………
 
"إذا كان لله ظل في الأرض فظله المساواة لأنها العدل ولأنها الحق ولأنها السلام".
……………
 
"ليست المساواة أن يتساوى الناس فيما يأكلون ويلبسون، بل أن يتساووا في الحقوق والواجبات وفرص الحياة جميعا".
…………….
 
"نرفض الظلم لأنه ضلال، ونرفض التمايز لأنه غرور، ونرفض التعصب لأنه انقراض".
…………….
 
"لا أعرف فارقاً – أي فارق – بين حق الشعب في المعارضة وحقه في التنفس… فكلاهما عملية لابد منها لتأمين الوجود واستمرار الحياة".
…………….
 
"القيمة الأخلاقية لحياتنا تتمثل أولا وقبل كل شيء في حبنا للحق واستجابتنا له".
…………….
 
" إن رسل الله جميعاً بدأوا زعماء معارضة وقادة مقاومة، أرسلهم الله تعالى في صورة الثائر المنقذ الذ جاء ليقول :لا… وليقود الجماهير ضد الجهل وضد الظلم وضد الانحطاط… ولو كان الجهل جهل الجماهير والظلم ظلمها والانحطاط انحطاطها."
……….
 
"المظلوم الذي يصبر على الضيم ليس مظلوماً… وإنما هو ظالم. يحمل من الأوزار مثلما يحمل ظالمه سواء بسواء… والمستضعفون الذين يمالئون كبراءهم وينحنون لهم توعدهم الله بعذاب أليم".
………………
 
"عارضوا الاستبداد أينما يكون… وإذا لم تجد المعارضة، فقاوموه، واعلموا أن يد الله فوق أيديكم، تميط عنكم العجز وتحسم الهوان".
………….
 
" (لا تسمعوا لصوت المحبطين… الذين ينكرون عليكم حقوقكم باسم الدين)… إن أسوأ الرذائل عاقبة تلك التي تتنكر في ثياب فضيلة".
………….
 
من أجل هذه المعاني النبيلة وغيرها… صلى مئات الآلاف من المصريين صلاة الجمعة بالأمس، ثم خرجوا من آلاف المساجد في عشرات المدن المصرية… يرددون هتافاً واحداً: " عيش (خبز)… حرية … عدالة اجتماعية"…
 
وعندما تركوا منبوذين ولم يكلف مسئول واحد خاطره أن يستمع إليهم أو يرد عليهم، أو يفهم مبررات صراخهم، وإنما واجهوهم بالهراوات والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، وقطع وسائل الاتصال والطعام والشراب عنهم…. تطور الهتاف إلى:
"الشعب … يريدْ… إسقاط …. النظام".
 
هذه حقائق الدنيا والدين:
من أفسد ولا يعرف إلا الفساد والإفساد، كيف يمكن أن يتحول بين عشية وضحاها إلى مصلح منحاز للفقراء؟!!
 
من كانت لديه الفرصة تلو الفرصة طيلة ثلاثين عاماً وبسلطات مطلقة، ثم عبََر الناس عن رأيهم فيه بهذا السخط الهادر الذي أصبح بلا ضابط ولا حكمة… ماذا يمكن أن يصنع في فرصة أخرى ولو لبضع شهور،
 
أعطوني مبرراً وحيداً لنصدقه ونقر بكفاءته هذه المرة؟!!
 
"الشعب … يريدْ… إسقاط …. النظام".
 
وقد اجتمعت لهذا النظام كل صفات الفساد والضعف والطغيان والجبروت والاستهانة بحقوق الناس…
 
واجتمعت لهذا الشعب كل صفات العزة والكرامة والشمم والكبرياء والصبر والرقي والتحضر والإباء…
 
الشعب الحر لا يقبل النظام الفاسد
وشعبنا – على مدار الزمن –
حر
أبي.

Advertisements