قالت لي: هل رأيت؟ هل صدقتني؟ ما كان لنا أن نخرج؟ لقد خربوا البلد؟
 
يا سيدتي: من خرب البلد؟
هل من قال: عيش… حرية … عدالة اجتماعية؟
أم من قال: سأمكث حتى آخر نفس، ولو بقيت خرابة؟!!
 
هل من هتف: سلمية.. سلمية… سلمية وخرج وليس معه إلا زجاجة ماء وساندويتش؟
أم من أطلق الرصاص المطاطي منتهي الصلاحية من 2003 والمصنوع في أمريكا؟ ودهسهم بالمدرعات… وما خرجوا إلا أن يقولوا تحيا مصر. يسقط الفساد. ما تكسرش. 
 
حتى الفساد والرشاوي طالت صفقات توريد أجهزة القمع والترويع.
…………
 
هذه رسالة لأهلي وإخواني الذين يشعرون بالندم أو الحزن أو الحسرة على هذا التطور السيء للأحداث في مصر، وينحون باللائمة على الشباب الذي خرج للتظاهر، ويتهمونه بأنه السبب في هذا الخراب والتدمير.
 
وأنا أود أن ننصف هذا الشباب ولو لمرة.
 
لقد ظل سنوات يعاني من الإهمال والاحتقار والتجاهل، بل وتم اتهامه بأنه تافه وفاشل ومش نافع. وإذا صحت هذه الأوصاف في حقه فإن السبب فيها هو نحن، الأجيال الأسبق المسئولة عن التربية والتعليم وتوفير فرص العمل، وقد منحناه أقل القليل منها، ومع ذلك شق طريقه، ورفع رأسه ورأس كل مصري، وقدم درساً لكل الشعوب العربية في الجسارة والصمود.
 
أنا فخور بكل شاب خرج في هذه المظاهرات، وأقول له كنت عظيماً بتحضرك كنت عظيماً بهتافاتك كنت عظيماً بسلوكك.
 
وإذا كان من أخطاء وتداعيات أليمة لهذه الانتفاضة المباركة – ولكل الأعمال العظيمة أخطاء وتداعيات- فأنت لست مسئولاً عنها، وإنما المسئول عنها هم أصحاب القرار في النظام الذين لم يصدقوا قوة عزمتك، وصدق إصرارك، ونبل مقصدك.
 
إنني أشبه ما حدث من الشباب بأنهم مثل الطبيب الذي قام بإجراء عملية جراحية لاستخراج ورم سرطاني خبيث من الجسم. نعم نتج من العملية أن المرض نزف دماً غزيراً، وأصيب بالإعياء، ولم يفق بعد، وسيخسر بضع كيلو جرامات من وزنه، وسيتعطل عن عمله لعدة أسابيع، وسيبدو شاحباً هزيلاً بعد العملية. ولكن الطبيب في النهاية أنقذ المريض من الهلاك. أرجوكم دعوا الطبيب يواصل إجراء العملية، ولا تسمعوا لصوت السرطان الذي يطالب بإنهائها، ويهاجم الطبيب النبيل.
 
عندما تكون هناك مباراة، ويفوز فريق بفارق كبير من الأهداف، ثم تبدأ في المدرجات أعمال شغب وتعدي ومحاولات لإفساد المباراة، فمن يا ترى يحاول إفسادها؟ هل هو الفريق الفائز أم الفريق المهزوم؟ أنتم الفائزون. والمهزوم يحاول إفساد المباراة حتى يسرق منكم النصر، فلا تمكنوه وأبطلوا مخططه بثباتكم وتحملكم.
 
هناك عشرات الشواهد يحكيها مصريون من أكثر من موقع حول هذا القرار المشبوه بسحب كل الضباط من الشوارع وأقسام الشرطة وإعطائهم "راحات" مفتوحة، حتى يحدث هذا الغياب الأمني المفاجيء الذي صاحبه فلتان أمني غير مسبوق. من صاحب هذا القرار؟ ولماذا أخذه؟ ومن أين أتي كل هؤلاء البلطجية والمشبوهين؟!! مرة واحدة وعلى كل الأماكن في الجمهورية كلها؟!!! وصاحب هذا العمل فتح للتليفونات، حتى يتلقى الشباب مكالمات استغاثة من أهليهم وذويهم ليتركوا أماكنهم ويعودوا لحماية بيوتهم.
 
هذا وسيلة رخيصة للضغط على المتظاهرين للتراجع تحت ضغط أهاليهم، والتفاوض بهم إما سلامة أهاليكم في منازلهم أو استمراركم في المظاهرات. لقد حرقت عشرات من أقسام الشرطة وضاعت معها تماماً هيبة الأمن… كم نحتاج من الوقت لاستعادتها؟ لقد أحرقت مئات السجلات بأقسام الشرطة والضرائب والمحاكم… حتى تضيع الحقيقة إذا كان هناك تحقيق في قابل الأيام؟!! هل الشباب المسالم الذي خرج للتعبير عن رأيه هو المسئول عن هذه الجرائم التي تصل إلى حد الخيانة العظمى؟
 
اتصلت إحدى المستغيثات تبكي بأحد أقسام الشرطة، وقالت: البلطجية بالسنج والرشاشات في الشوارع… ويهددوننا في البيوت… أطفالي يصرخون… لا يوجد شرطي واحد في المنطقة. من يحمينا؟!! فقال لها الطرف الآخر: خللي الجيش ينفعك؟!!
……………..
 
أسئلة خمسة ستساعدنا الإجابة عليها بأمانة أن نحق الحق ونرفع عن هذا الشباب الرائع هذه التهمة الملفقة، وأن نعرف من هو المسئول الحقيقي لنوجه إليه أصابع الاتهام ونحاكمه على جرائمه في حق وطنه وشعبه:
 
1-   هل مطالب الشباب التي طالب بها مشروعة أم لا؟
2-   من هو المسئول الأول عن هذه الحالة من التردي التي وصل إليها الشباب؟
3-   هل كان لدى الشباب وسيلة أخرى للحصول على حقهم ولم يتبعوها؟
4-   من الذي شارك في أعمال السلب والنهب، ومن المسئول عن منعهم؟
5-   من كان بيده حقن الدماء وتقديم الحلول من اليوم الأول؟
 
أيها الشباب أنتم بريئون من هذا التخريب والتدمير الذي يسيء لمصر، ويحاول أن يحملكم المسئولية…  
 
من يقوم به هو من يحاول إفساد انتفاضتكم، وإجهاض ثورتكم، فارفعوا رؤوسكم، فقد رفعتم رأس مصر، وارموا وراء ظهوركم هذه الاتهامات ولو جاءت من أهاليكم، وواصلوا إجراء الجراحة حتى النهاية، حتى ننقذ مصر من عصابة الفساد والإفساد، وتعود طاهرة لأهلها الأبرار.
 
مع كل ساعة تمر منذ قامت الانتفاضة المباركة في 25 يناير… تفقد مصر شهيداً، ويخسر الوطن ممتلكات عامة، ويتصاعد سقف المطالب، ويفقد النظام حليفاً، ويتصاعد حجم الدمار…. ولابد من قرار حاسم يفقد هذا النزيف…. والرئيس السابق لقب أشرف كثيراً من الرئيس المخلوع.
 
على قدر حجم الإنجاز تكون التضحيات،
مصر تتطهر،
و الألم عظيم،
وعلى الباغي تدور الدوائر.
 
Advertisements