عملياُ فإن نظام مبارك سقط وشرعيته زالت، وتأكد سقوطه بالمظاهرات المليونية بالأمس.
 
وفي التفاصيل فإن بقاءه الشكلي في السلطة لا يختلف كثيراً عن رحيله المفاجيء. بل إن هذا البقاء هو ضمانة لانتقال سلمي للسلطة دون فوضى وفراغ خاصة مع عدم وجود دستور بديل، وعدم اتفاق المعارضة على حلول أو أسماء جاهزة لعملية الإحلال والتدبيل.
 
ما سبق كان هو رد الفعل الفوري والمباشر لملايين المصريين – وأنا منهم- الذين تابعوا خطاب الرئيس مبارك العاطفي ليلة أمس، وهو يعلن عدم رغبته في الترشيح مرة أخرى بعد انتهاء فترة ولايته في الخريف القادم. وإن قال بعضهم: ما كان من الأول!!
 
وقد أفسد هذا المشهد الذي يمثل انفراجة رضي بها كثيرون أن هذا البيان جاء متأخراً أكثر من أسبوع، وأنه لم يصدر إلا بعد زيارة غامضة قام بها فرانك وزنير السفير الأمريكي السابق للقاهرة، ما أوحى للبعض أنه تم بترتيب أمريكي.
…………
 
لكن هذا الرأي الذي يميل إليه غالبية المصريين الطيبين والمتسامحين بالفطرة، والمشفقين على أبنائهم من الذين أرهقتهم المظاهرات،  لا يتفق معه عشرات الآلاف المرابطين في ميدان التحرير منذ عدة أيام… الذين رفعوا شعار "مش ها نمشي لحد ما يمشي"، والذين رددوا جماعياً بالأمس بعد الخطاب ما أسموه "قسم الثوار" الذي يقول: "أقسم بالله العظيم أن أعمل على استمرار الثورة الشعبية جنديا في صفوفها، لا أغادر الميدان حتى يغادر مبارك ورموز نظام مبارك نهائيا هذا البلد".  
 
ويرى هؤلاء المرابطون – بخلافنا متابعي الثورة عبر الفضائيات والإنترنت- أن بينهم وبين قبول هذا الموقف دم الشهداء، وأن هذا البيان يتجاهل الواقع الجديد في مصر فهناك 8 ملايين خرجوا ليقولوا للرئيس ارحل، فلا يقبل أن يكون الرد عليهم سأرحل عندما أريد. ويرون أن هذا كان مقبولاً قبل 25 يناير لكنه الآن لا يلبي مطالبهم. والبيان هو مجرد خدعة (تعبير البرادعي) يريد به النظام أن يلتقط أنفاسه ليفتك بمعارضيه بعد أن ينفرط عقدهم ويتراخي زخمهم.
 
وكما نجح المصريون بصمودهم الرائع في أن يضعوا الداهية الثمانييني في مأزق حاد بالرفع التدريجي واليومي لسقف مطالبهم، فقد نجح الرئيس المخضرم  في إعادة إلقاء الكرة بملعبهم  حين خرج بهذا البيان.
 
وترى بعض القوى السياسية وعدد من المتظاهرين أنه يجب تغليب صوت العقل بقبول ما جاء به وإعطائه فرصة أخيرة، وإن أبدوا في الساعات الأولى عدم ارتياحهم له – كجزء من المناورة السياسية-… بينما نادى كثير منهم باستكمال الصمود من أجل ضربة قاضية، لأن الفوز بالنقاط في الجولات الأولى لا يضمن تحقيق الفوز في النهاية.
…………….
 
لم يفاجيء مبارك بهذا البيان المصريين بطريقة أوقعت بينهم الانقسام الحاد كما ظهر في التعليقات الأولى فحسب. ولكنه فاجأ أيضاً الأمريكان وخدعهم، وقد كسب بعض الوقت لتنظيم صفوفه، وسيتم الدفع بعشرات الآلاف من رجاله لمناوشة المتظاهرين في الميادين الكبرى وإفساد تجمعاتهم، بما يعجل بتململ الجيش، وفقدانه انضباطه… فيرضى الجميع في النهاية بعرضه.
 
وقد مارس الغرب ضغوطه الهائلة عبر عشرات الرسائل الخفية والمعلنة من أوباما والخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي وحتى أردوغان… ولكن الرئيس الذي يحارب حتى النفس الأخير مصمم على عدم الخروج إلا بطريقته وفي التوقيت الذي يحدده هو لا يفرض عليه من الداخل أو الخارج.
 
ويبدو أن الرئيس مبارك قد وعد وزينر بشيء ثم لما غادر أعلن عن شيء آخر… وهو ما دفع الرئيس أوباما أن تخرج تصريحاته الغاضبة فور إلقاء البيان: نريد انتقالا سلمياً للسلطة… الآن. ثم اتصل بالرئيس لمدة نصف ساعة، ولا أدري كيف جرى الحوار.
…………
 
وتبدو المفارقة واضحة حين لم يبق من مؤيدي مبارك في الاستمرار في السلطة من حكومات العالم إلا إسرائيل، وهو الرجل الذي استدر بالأمس عطف الجماهير بأنه صاحب الضربة الجوية التي ساهمت في النصر على إسرائيل. وكما قال أحد الأصدقاء: لقد حصل مبارك بسبب هذه الضربة – التي ساهم القدر في أن يكون في هذا الموقع حينها- على الأوسمة التي يستحقها، وتمت ترقيته كنائب للرئيس، ولكن هذه المساهمة التي شاركه فيها العشرات من قادة القوات المسلحة حينها، ليست رخصة ليجثم فوق صدورنا إلى الأبد، وأن يرتكب من الأخطاء والكوارث ما يعفيه من أي مساءلة وعقاب.
 
وفي المقابل فقد بدا البرادعي واثقاً من أن خطته ستؤتي ثمارها، فظهرت تصريحاته الصحفية وهو يعطي الرئيس مهلة حتى الجمعة القادم كأنه يتحدث عن شيء مضمون واتفاق مكتوب، ولكن الرئيس مبارك تعامل مع الأمر كطيار في معركة… لا يستسلم، وإنما يتمسك بالأمل حتى اللحظات الأخيرة، ويراهن على الوقت… لعل وعسى.
 
…………
 
المشهد الآن لا يمثل حلاً نهائياً…
وقد تصور مستشارو الرئيس أنه يمثل انفراجاً جيدا في أزمة حادة، وهدنة مطلوبة في معركة طاحنة…
الآن يمكن أن تتابع في نشرات الأخبار أخباراً أخرى غير أخبار الانتفاضة المصرية…
الآن سيعود آلاف المتظاهرين إلى منازلهم وينعموا بدش ساخن بعد أيام من المرمطة في الشوارع
الآن يمكن لرئيس الوزراء المكلف أن يمارس مهامه كرئيس وزراء يخرج على الشعب ببرامج إصلاحية…
الآن يمكن للطائرات أن تقلع وتهبط من مطار القاهرة الدولي.
الآن ستعود الدبابات إلى ثكناتها، وضباط الشرطة إلى أقسامهم المحترقة، والموظفين إلى استلام مرتباتهم، والبنوك إلى استقبال المراجعين، والناس إلى شراء حاجياتها الأساسية بعيداً عن جشع التجار.
 
كان هذا رأي المصريين في البيوت… أما المرابطون في الميدان فكان لهم رأي آخر.
 
بت ليلتي على حلم جميل… ثم أفقت على الكارثة…
الهمج الذين يتعرضون للمتظاهرين اليوم في ميدان التحرير هم مؤيدو حسني مبارك…
هذا الرجل يصمم على أن نكرهه…
ويحتاج إلى جائزة نوبل في فن صنع السخط.
 
…………..
 
ومن الواضح أن الرئيس يناور ولا يستسلم بسهولة… وهذا يجب أن يكون متوقعاً من رئيس بقي في موقعه لمدة ثلاثين عاماً نجح خلالها في صنع عشرات الآلاف من الموالين والأتباع والمنتفعين داخل مصر وخارجها.
 
لقد تقدم الرئيس بهذا الخطاب خطوة واحدة في طريق الاستجابة لمطالب الملايين، بينما كان عليه أن يخطو ألف خطوة…
 
فور الخطاب حمدت الله تعالى على ما انتهى إليه الخطاب ثم ذهبت للنوم، وحين أفقت في الصباح اكتشفت أنني تعرضت لخدعة، وأننا نتعرض لمحاولة جديدة من محاولات الابتزاز العاطفي والمماطلة والتسويف غير المقبولين… وكأننا – مع أننا مؤمنون- مصرون على أن نلدغ من نفس الجحر عشرات المرات.  
 
والتحليل الهاديء لخطاب الرئيس بالأمس يكشف لنا عن عدد من الفخاخ التي تثير حفيظة المعارضين ولا تشعرهم بالثقة والاطمئنان:
 
بدا الرئيس مرة أخرى يتحدث عن منة أو منحة يمنها على الناس، ولم يظهر في نصه ما يدل على أنه تلبية أو استجابة لطلبات الملايين… ما يعني أنه لا يزال مصمما على لغة العجرفة والتعالي والتكبر… وإنكار صوت الملايين في الشارع… ونسي أن شرعيته الحقيقية مستمدة من صوت الجماهير، وليست من حجم قواته العسكرية، ولا منافقات معاونيه الإعلامية، ولا تأكيدات حلفائه الغربيين.
 
لم يبد الرئيس أي تعاطف مع هذه الملايين التي خرجت وكانت محل إعجاب وإكبار العالم كله… كما لم يبد أي أسف على ما تعرضوا له من اعتداء وتنكيل من قبل رجال الشرطة بتوجيهات مباشرة منه.
 
قال الرئيس إنه لم يكن يفكر في الترشح مرة أخرى… فإذا كانت هذه هي النية من البداية فلماذا – يا محترم- لم تعلنها من شهور، ولماذا تأخرت في الإعلان عنها حتى سقط كل هؤلاء الشهداء وخسرنا كل هذه المليارات ووقعت كل هذه الجرائم… ولماذا – يا سيدي- تصر على أن ندفع ثمن عنادك ومكابرتك؟!!
 
قال الرئيس إنه لن يرشح نفسه مرة أخرى – وكان هذا أحد الاحتمالات الواردة بدون ثورة أو ضحايا- ، لكنه لم يقل إن ابنه جمال لن يرشح نفسه… وهو التخوف الأكبر الذي لم يتم إزالته… فشعار الناس كان لا تمديد ولا توريث… فنفى التمديد لكنه ترك باب التوريث مفتوحاً.  ولم يحسم إغلاقه بكلمة.
 
لم يقدم الرئيس أية ضمانات تضمن وفاءه بوعده… وقد عانت المعارضة من عشرات الوعود السابقة التي يتم تفريغها من مضمونها… ثم تنتهي إلى لا شئ.
……………
 
و قد طلب المتظاهرون حل المجالس النيابية (شعب وشورى ومجالس محلية) ولكن الرئيس أعلن فقط عن قبول أحكام القضاء في انتخابات مجلس الشعب وهو ما يعني عملياً إعادة انتخاب في حوالي 150 دائرة. وحتى لو خسرها الحزب جميعاً فلا تزال معه الأغلبية… أما حل المجلس النيابي تماماً والدعوة لانتخابات جديدة نزيهة هذه الأيام فمن المؤكد أنه سينتهي إلى فقدان الحزب الوطني الأغلبية لأول مرة وإلى الأبد. فإذا كنت صادق الوعد في اعتزالك العمل السياسي فما الذي يضيرك في أن يكسب الوطني الأغلبية أو يخسرها؟!!
 
ولعلكم تذكرون من عدة أشهر أن الرئيس مبارك قد أعطي ضمانة شخصية لانتخابات برلمانية نزيهة صدقتها أحزاب المعارضة ورفضت دعوة المقاطعة… ثم كان التزوير الذي شهدناه جميعاً وأدانه العالم بأسره… و في الاجتماع الأول للمجلس الجديد أقر نتيجة الانتخابات وأعلن عن رضاه عن نزاهتها… فكيف نصدق وعوده مرة أخرى؟! بل وكافأ القائمين عليه في مؤتمر الحزب الوطني الذي كان نموذجاً للتكبر والعجرفة والإحساس بالزهو الصارخ.
 
كما أن دعوته لمراجعة الدستور اقتصر على المادتين 76 و 77 الخاصتين بشروط الترشيح ومدة الرئاسة. ولم تمتد لتشمل مراجعة تامة للدستور المهتريء، خاصة المواد التي تتعلق بالإشراف القضائي على الانتخابات أو نسبة العمال والفلاحين أو قانون ممارسة الحقوق السياسية أو إنشاء الأحزاب (الذي لا يزال يشمل شرطاً بالاعتراف بشرعية 15 مايو والالتزام بمعاهدة السلام مع إسرائيل)… و لم يدفع المصريون هذا الثمن الباهظ من الشهداء والجرحى، من أجل هذه التعديلات المحدودة… التي يمكن أيضاً صياغتها في النهاية بما يفيده ويفيد رجاله… ويضمن لهم نجاحاً في انتخابات لم يجر أي حديث عن تغييرات تشريعية وإجرائية تضمن نزاهتها.
 
كما أن تصريحه بمحاربة المفسدين والمخربين كان خبيثاُ بحيث يمكن أن ينطبق على قادة الثورة ورموزها… فبدلاً من أن يتحول إلى مطاردة البلطجية والسجناء الهاربين… أو الفاسدين من رجال الأعمال والمنتفعين.. يتجه نحو قادة المعارضة أو الإخوان وينكل بهم ويحولهم إلى محاكم عسكرية بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم، وهي تهم عقوبتها الإعدام.
 
ولا أفهم كيف يدعي النظام أنه يفتح صفحة جديدة، ويطالب بالحوار، ويباشر فيه رئيس وزرائه الجديد أحمد شفيق وهو رجل محترم جاء في توقيت خاطيء مهامه وكأن شيئاً لم يكن… كيف تصدق هذه الادعاءات ولا زالت الطرق الرئيسية مغلقة… ولا يزال الإنترنت والتليفونات المحمولة ممنوعة؟ ولا تزال السلع الرئيسية غير متوفرة؟ ولا يزال حظر التجول سارياً؟!!
 
حدثني صديق عن أن إحدى قريباته توفيت ثم عجزوا عن دفنها في مقابر الأسرة في الصعيد وعن تلقي العزاء فيها… حيث أن الطرق الرئيسة مغلقة…. كل هذا من أجل فرد يريدون أن يخرج من السلطة بكرامة… أما كرامة وحقوق الملايين من المصريين فلا تهم أحداً؟!!
……………
 
إنني أطلب من المعارضة والحركات الاحتجاجية أن تقابل اليوم السيد عمر سليمان، وتصر على مطالبها بتنحية الرئيس وتسليم مهامها إلى نائب الرئيس، وتشكيل حكومة تصريف أعمال، وتشكيل لجنة دستورية لتعديل الدستور (ككل وليس بعض مواده)، وحل المجالس النيابية التي تفتقد إلى أي شرعية… وإذا رفضت هذه المطالب، ولم تشعر معها المعارضة بجدية في التنفيذ… فعليها أن تعلن هذا للشعب ليقول كلمته.
 
وأياً ما ستنتهي إليه المفاوضات، وسواء تم التعجيل برحيل مبارك أو بقي لشهور أخرى في الحكم الصوري أو الحقيقي … فإن على جميع الأطراف أن تستعد لمرحلة (م. ب. م)… أو مرحلة ما بعد مبارك…
 
سيادة الرئيس…
قلنا لك شكراً. مع السلامة.
 
نريد أن نستعد ل:
( م. ب. م )
Advertisements