أتحدى أن يخبرني أحد عن شخص واحد على وجه الأرض استطاع أن يتنبأ يوم 24 يناير بما وصلت به الأمور اليوم 7 فبراير… من تلاحق للأحداث والقرارات.

وكذلك فلا يوجد أحد الآن على وجه الأرض يمكن أن يتفلسف ويتنبأ بما سوف تنتهي إليه الثورة.

هذه خمسة سيناريوهات لن يخرج المستقبل القريب عن واحد منها… وإن كانت هذه الثورة علمتنا أنها فوق التخطيط والتنبؤ والتنظير.

1- سيناريو التصفية والتنكيل

الثورة المضادة التي يقودها فلول النظام من الحزب الوطني والمرشدين والبلطجية تنجح في إجهاض ثورة 25 يناير وتصفيتها واعتقال المكاسب وإبطالها، والقبض على القائمين على الثورة والتنكيل بهم والتشفي منهم و عودة المعسكر القديم وإعادة الوضع إلى ما هو أسوأ من ناحية إهدار الحقوق والنهب العلني لثروات البلد والإفقار المستمر للشعب من أجل إخضاعه فلا يفكر في تكرار هذه المغامرة.

ومن المؤسف أن هناك نسبة مريضة ليست قليلة أعماها الحقد وكراهية النجاح واستمرأت الذلة والخنوع تتمنى هذا السيناريو ولا تخجل من إعلانه والترويج له وتبحث له عن مبررات (ولو دينية). وهؤلاء هم الخونة الحقيقيون لهذا الوطن العظيم بحيوية شبابه وثورتهم الفريدة.

2- سيناريو الاحتواء والتذويب

عمر سليمان وأحمد شفيق وشركاؤهما من حلفاء النظام ينجحون في احتواء الثورة وتحقيق جزء من مطالبها بالاتفاق مع قادة المعارضة التقليديين وفق مرجعية خطاب الرئيس، وبدون النظر إلى مطالب الشباب.

في هذا السيناريو الذي يجري تحت عنوان "الحوار" يتم تقديم بعض الإجراءات التصحيحية الثانوية وقرارات تتسم بنفاق الشعب والتزلف إليه (مثل التعويضات أو رفع الرواتب أو خفض الضرائب أو تحرير الإعلام أو إحالة بعض المسئولين إلى محاكمات تستمر لسنوات ثم تنتهي بالبراءة.. الخ).

3- سيناريو السطو والتحريف

هذه ثورة شعبية. لا إخوانية ولا سلفية ولا وفدية ولا يسارية. ومعنى أنها شعبية أنه تعبر عن مطالب جموع الشعب لا عن مصالح فئة منه. والمشاركون فيها هم صورة وتمثيل حقيقي للمصريين الآن بينهم المسلم والقبطي والملتحي وغير الملتحي والسافرة والمنتقبة… تماماً كما تجدهم في فرح أو ميكروباس أو مؤسسة حكومية.

وقد رفض السلفيون فرصة ذهبية لأن يكونوا طرفاً من هذه الثورة، بل ورفضوها أصلاً ووقفوا في صف النظام الفاسد باعتبار أن ما يحدث هو خروج على الحاكم الظالم وهذا لا يجوز (بزعمهم) شرعاً. واختار أمثلهم طريقة (مثل الجماعة السلفية بالإسكندرية)الرأي الذي يعتبر أن ما حدث من الفتنة، ونصح أتباعه أن يلزموا بيوتهم ويتجنبوا الفتنة، فالحكم في النهاية لمن غلب.

المقصود يالسطو على الثورة هو أن تنجح جماعة ما في غفلة من بقية الجماعات والقوى السياسية في أن تنحرف بالثورة عن مسارها. وتبدأ في تبني مطالبها الجزئية المختلفة عن الإجماع الشعبي. فيطالب الأقباط بحذف المادة الثانية من الدستور، أو يطالب الإخوان بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، أو يطالب الناصريون بعودة الاشتراكية والتأميم… إلخ.

4- سيناريو إسقاط النظام

لو كنت مخلصاً صادق الحب لهذه البلد حريصاً عليها، وأردت أن تكتب نهاية سعيدة لجميع الأطراف في هذه الأزمة لتخرج مصر أفضل وأقوى مما كانت، ولتبدأ عهداً جديداً تحقق فيه ما تريده مما يليق بها، فأغلب الظن أن هذه النهاية ستكون هي النهاية التي يتحقق فيها مطالب المتظاهرين السبعة وهي:

1- تنحية مبارك عن السلطة
2- حل مجلس الشعب والشورى
3- انهاء حاله الطوارئ
4- تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية
5-انتخاب برلمان يمثل الشعب يقوم يتعديل الدستور
6- محاكمة قتلة شهداء الثورة
7- محاكمة الفاسدين و سارقي ثروات الشعب

هذا هو حلم الشباب. لا توجد ثورة بالتقسيط. الكل أو لاشيء.

5- سيناريو الانتكاس والتجميد

الجيش يحكم حكماً عسكرياً كاملاً. ويتم إلغاء الدستور. وتسيير الأمور وتعطيل الديموقراطية. ويتولى الحكم قادة الجيش حتى إشعار آخر. وقد هدد السيد عمر سليمان بالأمس في لقائه مع قادة المعارضة أن استمرار الضغوط الخارجية والداخلية سيدفع الرئيس إلى تبني هذا الحل.

ورغم أن البعض يرحب به باعتبار أن الجيش (أو أي أحد) أفضل من الرئيس إلا أنه في حقيقة الأمر هو استبعاد لديكتاتور و إقحام لمجلس رئاسي من الديكتاتورات.
………..

أي هذه السيناريوهات أقرب للحدوث

ستنتهي الثورة حسب أحد السيناريوهات المطروحة في هذا المقال، أو ربما بمزيد من العبثية تنتهي بأكثر من سيناريو واحداً إثر الآخر.

والذي سيتحكم في أي من هذه السيناريوهات هو الأقرب للحدوث هو مواقف وردود أفعال القوى الفاعلة على الأرض إزاء الأحداث اليومية، وقدرتهم على المبادرة لتغيير الواقع على الأرض بما يتفق مع السيناريو الذي يفضلون.

القوى الفاعلة على الأرض هي: شباب المتظاهرين – جموع المصريين – النظام الحاكم – الجيش- أمريكا – القوى السياسية التقليدية.

ويبدو الصراع أساساً بين شباب المتظاهرين الذين يريدون "إسقاط النظام"، وبين النظام الحاكم الذي يعيش على حلم يقظة اسمه سيناريو "التصفية والتنكيل".

ولكن الجيش بهيبته وتاريخه يمكن إذا تململ من الوضع القائم أن يعجل بسيناريو "الانتكاس والتجميد" حين تتكلم الدبابات وتقرر تنحية الرئيس وفض المظاهرات، والحكم حكماً عسكرياً حتى تحل الأزمة، وهو حل لن يرحب به الغرب إلا كحل مؤقت يجب ألا يطول.

ويبدو سيناريو "الاحتواء والتذويب" هو الأقرب للحدوث كما يبدو من نتائج الحوار الأولية بين نائب الرئيس والمعارضة. وهو سيناريو تميل إليه جموع المصريين ممن لم يشاركوا في المظاهرات. وهم يفضلون هذا الحل لأن المصريين بطبعهم طيبون ومسالمون ويمكنهم أن يتنازلوا عن المطالبة بحقهم ممن سرقوهم كباراً وصغاراً في سبيل أن يرحل اللصوص إلى غير رجعة، ويعود المصريون الموظفون المقهورون للعمل في وظائف التي يقبضون فيها الملاليم.

أما سيناريو "السطو والتخريب" فتبدو احتمالات نجاحه محدودة في ضوء حقيقة أن لا أحد يمكن أن "يشيل" الثورة بمفرده، وفي ضوء أن أية محاولة من هذا النوع هو انحراف بالثورة عن أهدافها وسيقابل باعتراض جموع الشباب المتظاهرين وهم بالأساس غير مسيسين. وربما يدفع النظام إلى إغراء أحد الأطراف بلعب هذا الدور.. من أجل إفساد الثورة.

نجاح سيناريو "إسقاط النظام" لا يزال يبدو لنا مثل الحلم المستحيل – نحن المتابعين عبر الفضائيات والإنترنت، والمحملين بأعباء تاريخ طويل من الهزائم أمام النظام-. وقد سمعت أحدهم يقول: لا تفرطوا بالممكن من أجل المستحيل.

ولكن هذا يختلف مع رأي كل من شارك في التحرير. وكل الإشارات الواردة من ميدان التحرير بالقاهرة والقائد إبراهيم بالإسكندرية تؤكد أن الشباب في حالة نشوة غير مسبوقة. يملؤهم الشعور بالرضا والإحساس باقتراب النصر…. وهم يغالبون القلة حولهم التي تدفعهم إلى الحسرة والعجز واليأس.

وفي تطور لافت فإن الأسر المشفقة على أبنائها والضاغطة عليهم ليعودوا إلى بيوتهم بدأوا مع الوقت يتحولون إلى صف الشباب ويقتنعون بما فعلوه. والشباب يدرك أن عليه أن يدفع ثمن الحرية وجزء من هذا الثمن أن يتحملوا ضغوط أهلهم ولو إلى حين… وقد كشف هذا الخلاف عن فجوة جيلية حادة…

ستظل الأسر في المنازل تضغطـ وفي النهاية ومع إصرار الشباب ونجاحهم يوما بعد يوم لن تملك إلا أن تستسلم للشباب وتدعو أن ينصرهم ويوفقهم. وقد عرفت عدداً من الأسر يذهبون جميعاً للتظاهر أو في دوريات يشارك فيها رجال فوق الخمسين وشباب في العشرينات، والبطل الرئيس في هذا المشهد هو "الزمن".

في التحرير… طعم الحرية جميل. ولا يعرف قيمته إلا من جربه. هؤلاء هم كريمة المجتمع… كلهم من أسر طيبة وتربيتهم ممتازة … وقد نجحوا في أن يضربوا مثلاُ عليا لا توجد في أي مكان آخر في مصر الآن… أخلاقياتهم تتميز بتجاوز الذات والإتقان والتعاون والمسئولية… ولذلك لن ينهاروا… حتى أنهم يشعرون وهم يخرجون عائدين من الميدان إلى بيوتهم أنهم خارجون من المدينة الفاضلة (في التحرير) إلى مصر القديمة بمشاكلها وضغوطها وفقرها وعجزها.

إنهم يرون أنهم قريبون جداً من تحقيق هذا الحلم، وأنه من العار عليهم أن يتراجعوا وهم قريبون جدا من قطف الثمرة.

والذين يتهمونهم بأنهم شوية عيال أو أنهم خونة ومأجورون يثيرون فيهم المزيد من الإصرار والصمود خاصة أن المستقبل أمامهم… إنهم يدافعون عن حياتهم القادمة التي يريدون أن يعيشوها في حرية وعزة وكرامة… أما المتخاذلون فإيمانهم أضعف لأنهم يحاربون عن ماض بائس لا يعرفون غيره ولا يصدقون أن من حقهم أفضل منه.

النصر للشباب… النصر للأمل … النصر للمستقبل.

و من الواضح أن النظام "الخرتيتي" سميك الجلد بطيء الحركة – حسب وصف الدكتور أحمد عكاشة- عاجز عن المواجهة، لكنه يمكن أن يوعز للجيش بإنهاء اللعبة. وهو لا يدرك أن التعامل مع متظاهرين برقي ووعي هؤلاء الشباب هو أفضل كثيراً من أن يواجه حرباً مفتوحة ودموية مع سكان العشوائيات الأكثر عنفاُ والأقل وعياً والأكثر شوقاً إلى التخريب والتدمير.
………….

لا أملك إلا أن أدعو الله عز وجل أن تنتهي هذه الأزمة بالحل الذي يرضى عنه جموع المصريين، وهو إسقاط النظام، وعندها سيصبح الجميع في صف الثوار: أمريكا والجيش وقوى المعارضة، وربات البيوت في المنازل… وعندها سيفيق المتخاذلون والرافضون… ويتحولون لصالح العهد الفكر الجديد والعهد الجديد ومصر الجديدة.

هذا هو الحل الوحيد الذي سيرضى عنه الجميع بخلاف فلول النظام الذي يتصدع يوماً بعد يوم… أما بقية الحلول الأخرى فليست هي الأفضل لجميع الأطراف.

هذا السيناريو ليس بعيداً أبداً…
وليس حلماً أبداً…
والنظام الذي تصدع وتتشقق يمكن بمزيد من الطرق والإصرار أن يسقط…

ماذا لو صبرنا أسبوعاً… لنشتري قرناً جديداً من الحرية والكرامة والعزة.

وما النصر إلا صبر ساعة…
وما أطولها من ساعة عليك يا مصر.
…………….
………..
…..

Advertisements