لدى أمريكا نظرية خالدة ابتكرها فرانكلين روزفلت تقول عن حلفائها من الطغاة: "نعم إنه وغد… ولكنه وغدنا".. وهي تطوير استعماري/ استحماري بنكهة أمريكية لمقولة رئيس الوزراء الإنجليزي الشهير دزرائيلي أيام الاستعمار حين كان يقول: "نحترم حقوق الإنسان… ولكن احترامنا لحقوق الإنجليز أشد".

هناك مطالب وهناك مصالح. المصريون الذين قاموا بالثورة يرفعون المطالب المصرية، والأمريكيون في مكاتبهم الأنيقة يضعون نصب أعينهم المصالح الأمريكية.

وعندما تتفق في لحظة زمنية معينة مطالب المصريين الوطنية مع مصالح الأمريكيين الانتهازية النفعية فهذا لا يعني أن المصريين أصبحوا عملاء وخونة، ولا يعني أن الأمريكيين أصبحوا مدافعين عن حقوق الإنسان.

وما يصدق على الأمريكان يصدق على إيران وحزب الله. ولم تضار الثورة المصرية بشيء خلال الأسبوعين الماضيين أكثر من تضررها بتصريحات خامنئي ونصر الله المؤيدة للثورة.

ولذلك بادر شباب التحرير بوعيهم الكبير بالهتاف ضد تدخل إيران وحزب الله. ونجحوا في إضافة فقرة على بيان الحوار الأول موقعة من عمر سليمان يؤكدون فيها أنها حركة وطنية خالصة، وأنهم يرفضون التدخل الأجنبي في الشأن المصري.

وهذا يغلق هذا الباب نهائياً أمام من يريدون فتحه وتشويه الثورة بربطها بأجندات أجنبية… فلا الشباب أراد ذلك ولا الحكومة تصدق ذلك… فليخرس الصائدون في الماء العكر، ويبحثوا عن حجة أخرى لوأد الثورة ولن يجدوا.
………..

والاضطراب الأمريكي في ردود الفعل حتى تجد تصريحيين متضاربين خلال ساعة واحدة، وتجد موقفاً يتلوه موقف متناقض يعكس تاريخا طويلاً من الغباء الرسمي الأمريكي في التعامل مع الشأن المصري… وهو مبني على عدد من المسلمات الغبية التي لا يحاول المسئولون الأمريكيون مناقشتها، ويبنون عليها كل تصريحاتهم وردود أفعالهم دون أن يختبروا صدقيتها على الأرض.

ويتحرك الأمريكان في ردود أفعالهم وفق ثلاث "عقائد" غير قابلة للزعزعة هي:
– أمن إسرائيل مقدم فوق أي اعتبار
– الإسلاميون خطر على أمريكا وإسرائيل
– الإساءة للحزب الآخر عند أية هفوة

فيما يلي نماذج من ردود الأفعال الأمريكية من سياسيين مختلفين على ما يحدث في مصر، تبين أنهم يتحركون وفق هذه الدوافع الثلاث، وتؤكد أن "المتغطي بيهم عريان" كما قال الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى المصري والعضو المستقيل من الحزب الوطني.

التصريحات المذكورة أدناه جمعها الدكتور جميس زغبي الأمريكي من أصل عربي… لتكون شاهداً على هذا الغباء الأمريكي المستحكم والممتد عبر كل القطاعات وعلى مدار السنين.

قالت "إيلينا روس- ليتنين"رئيسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأميركي (جمهورية): "إن السيد مبارك يجب أن يعد العدة لإجراء انتخابات شرعية حرة، معترف بها دوليّاً… وإن الولايات المتحدة يجب أن تستفيد من أخطائها الماضية وتدعم عملية تشمل مرشحين يستوفون الشروط الأساسية لزعماء الدول المسؤولة، ويشجبون الإرهاب، ويلتزمون بحكم القانون، ويعترفون باتفاقية السلام مع إسرائيل".

وهكذا انضمت السيدة لتنين إلى قائمة طويلة من المصريين والأجانب الذين لم يحاولوا أن يفهموا رسالة المصريين. تماماً مثل المبجل رفعت السعيد الذي تصدر فريق المفاوضين مع السيد عمر سليمان رغم أنه رفض المشاركة في المظاهرة أصلاُ، وبدلاً من أن يتحدث عن مطالب الشباب "الفاهمة" و "الواعية"… ذهب يستجدي ويطلب إعانة بطالة ورفع الحد الأدنى للأجور. وعاد وأعلن أنه "جاب الديب من ديله"، فلما أوضح له الشباب أنه لا يمثلهم وأنه لا يفهم مطالبهم اتهمهم بالغرور والتعنت والاندفاع الأهوج. سعيكم مشكور يا دكتور رفعت.

و لم تنس السيدة لتنين في تصريحها أيضاً أن تؤكد أن الرئيس المصري القادم يجب أن يحقق الشروط الأمريكية في التعيين (أن يشجب الإرهاب، ويعترف باتفاقية السلام)… ولا يعنيها الشروط المصرية لأنها لا تعرفها ولا هي مهتمة بها من الأساس… وكأن رئيس مصر القادم سيعين نائباً في الكونجرس الأمريكي عن ولاية القاهرة الكبرى.

أما رئيس مجلس النواب الأميركي الأسبق نيويت جينجريش (جمهوري)، والذي يتردد أنه يعد نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة عن الحزب الجمهوري، فبدا وكأنه يعيش في عالم آخر ولا يعرف شيئاً عما يدور في علامنا العربي عندما قال: "هناك احتمال كبير لأن تنضم مصر خلال أسابيع للبنان، وغزة، وأن تنضم لكافة الأشياء التي يمكن أن تشكل خطورة استثنائية علينا".

وانتقد جنجريش الرئيس أوباما "لسذاجته، ولأنه ذهب إلى القاهرة ليلقي خطابه الشهير الذي قال فيه إننا جميعاً يجب أن نكون أصدقاء لأنه ليس هناك فرق بيننا… حسناً. أنا أعتقد -والكلام لجنجريش- أن هناك فرقاً كبيراً بيننا وبين الإخوان المسلمين".

ولكي يظهر جنجريش في صورة العالم بالتاريخ وجه النصيحة التالية لأوباما: "ادرسْ ريجان وكارتر.. ثم افعل ما فعله ريجان (الجمهوري) وتجنب ما فعله كارتر (الديموقراطي)". ولعله كان يقصد أن كارتر حاول التدخل في الشأن الإيراني بإرساله فريقاً من القوات الخاصة لمنع الثورة الإيرانية، فوقعوا في الأسر وكانوا سبباً في سقوطه . إذن فجنجريش يظن أنها ثورة إسلامية (وربما شيعية) … ويطالب أوباما ألا يتدخل لحماية مبارك عسكرياً… أو هكذا فهمت من التصريحات التي تطلق لا لشيء إلا لأنه يجب أن أصرح وأعلق وأسيء إلى الحزب الآخر.

من جهته توجه مايك هاكابي الحاكم السابق لولاية إركنسو والمتقدم السابق لترشيح انتخابات الرئاسة عن الحزب "الجمهوري" عام 2008 " إلى إسرائيل في رحلته الخامسة عشرة ليقف بجوارها في هذا الظرف الجليل الذي يمكن أن يفقدوا فيه أهم حلفائهم في المنطقة، وأدلى بتصريح قال فيه بنبرة كسيرة: "إن إسرائيل تشعر بالوحدة… وهي لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لأنها لا تثق بأنها ستقف بجانبها"!

مرة أخرى… الأمريكان على اختلاف أطيافهم السياسية لا يقرؤون الحدث خارج نطاق إسرائيل والحزب الديموقراطي والجمهوري والإخوان. وهو ما بدا واضحاً في تصريحات النائبين "شيلي بيركلي" و"أنتوني واينر" (ديمقراطيان) فقد عبرا عن قلقهما من الديمقراطيات العربية، لماذا؟ لأن إسرائيل قد رأت من قبل، كما قال بيركلي: "كيف أن تجربة ديمقراطية يمكن أن تأتي إلى السلطة بأعداء لها"، أما "واينر" فقد قال: "إن الحاصل هو أن الديمقراطية التي نعرفها، والديمقراطية على النحو الذي تطبق به في العالم العربي، أمران مختلفان أشد ما يكون الاختلاف" . نورت المحكمة يا حاج واينر.

أما عضو الكونجرس القس "جيسي جاكسون" والمشهور عربياً بوقوفه مع الفلسطينين، فحاول أن يبدو ذكيّاً، ومهتمّاً بالشؤون الدفاعية عندما تنطع هو أيضاً ليقول: "لا يمكن السماح بأي حال من الأحوال بسقوط التقنية الأميركية (يقصد الأسلحة) التي قدمناها لهم -يقصد المصريين- في أيدي الإخوان المسلمين، أو حلفاء الدول المارقة في المنطقة".

وهناك عدد آخر من أعضاء الكونجرس ركزوا على التهديد الذي يمكن أن تمثله الأحداث الحالية في مصر على حرية الملاحة في قناة السويس، وبالتالي على أسعار النفط، وهو ما يفسر اهتمام الحكومة المصرية المفاجيء بقناة السويس. واستغلوا الظرف للضغط على الرئيس الأميركي لتجديد محاولتهم تمرير مشروع قانون الطاقة في الكونجرس.

وينبغي ألا أنسى أيضاً ذلك المذيع التلفزيوني السخيف، الذي أجرى لقاءً مع متحدث باسم "الإخوان المسلمين" فترك كل شيء وحاول قدر استطاعته وبمنتهى السماجة وقلة الذوق أن ينتزع اعترافاً بن الجماعة تعترف بالدولة اليهودية… وهو نموذج متكرر عندما تقرأ الأحداث بعين واحدة… لا تبصر ما يجري على الأرض وإنما تردد ما يدور في دماغك.

ولا يقل عن ذلك سخافة، ما قام به "إليوت أبرامز"، وهو أحد المتشددين المنتمين لـ"المحافظين الجدد" ممن خدموا في إدارة بوش، الذي كتب مقالًا حاول أن ينسب فيه فضل الاحتجاجات المصرية للرئيس السابق بوش على أساس أنه دافع عن الديمقراطية في عهده، أما أوباما فلم يفعل ذلك.
……….

هناك دروس كثيرة يتعلمها الجميع من الثورة المصرية… منها أن الكلمة الأولى للشباب الذين يملكون المستقبل أمامهم، وليس للعواجيز المصابين يتصلب في شرايين الوعي والإدراك، ومنها أن القرار البطيء لا قيمة له وعدم إصداره أكرم… ومنها أن الأيام دول وأن الظلم لا يدوم. ومنها أن الضغوط الاقتصادية (مثل التهديد بسحب المساعدات) لا يلتفت أحد إليها إذا تعلق الأمر بالكرامة.

أما ما ينبغي أن يتعلمه الأمريكان من هذا الدرس، فهو أن الشعوب تملك قرارها بأيديها بخلاف الرؤساء. لقد كان مبارك ينتظر إلى المساء ليذيع خطابه للشعب وذلك حتى يستيقظ أوباما في أمريكا… أما المصريون المعنيون بالخطاب أصلاً فعليهم أن ينتظروا في العراء والبرد حتى يتفضل عليهم الرئيس بطلته.

إن شباب الثورة في التحرير وكافة ربوع مصر لا ينتظرون مباركة أوباما المتردد الجبان، ولكنهم يعرفون كيف يحصلون على حقوقهم بتضحياتهم المستمرة، رغماً عن عناد مبارك المردي وتردد أوباما المخزي.
……………
………..
……

Advertisements