لم أتعجب أن هناك قطاعاً عريضاً من المصريين رغم كل ما حدث ، ورغم كل ما نشر عن مفاسد وخطايا لا يزالون يدافعون عن الرئيس السابق محمد حسني مبارك ويشعرون حياله بالشفقة، وغير راضين عما حدث له خاصة من كبار السن ومنهم كثيرون من أقاربي… وقد اكتشفت أن الناس في القرى أكثر حزناً على مبارك منهم في المدن… وأن الفقراء المحرومين أكثر إشفاقاً عليه من الأثرياء المستورين… وهي ظاهرة تبدو متناقضة… ولكنها قابلة للتأويل.

والمصريون بطبعهم عاطفيون… وكلما سمعنا أنباء عن تردي صحته أو اعتلال مزاجه أصابنا القلق… إذ ربما كنا مخطئين أو متجاوزين لحدنا… أو (زودناها شوية)… وأن الرجل ربما لم يكن بهذا السوء… ولسنا ملائكة بلا أخطاء لنضع أنفسنا في هذا الموقف الذي يهاجم الرجل بهذه القسوة وهذه الحدة.

ولأن هناك إحساساً عالياً لدى المصريين كشعب متحضر بالمسئولية الدينية، وخوفاً من الله سبحانه وتعالى أن يعاقبهم لأنهم غير عادلين أو منصفين في تعاملهم مع الرئيس السابق… خاصة أنهم لم يصدقوا أنهم قادرون على خلعه بهذا اليسر… فبعضهم في قراراة نفسه يخاف من المستقبل… ويخاف من أن يكون قد استدرج لعمل لا يرضاه الله عز وجل… ورضى الله مقدم على ما سواه.

هذا شعور طبيعي … وكانت الست أمينة في السكرية زوجة السيد أحمد عبد الجواد تقول لابنها كمال الذي يشارك في المظاهرات لطرد الإنجليز… (حرام عليك يا ابني… دول عِشْرة برضه..). وهذا في رأيي هو المنطق الأغلب الذي يفكر به المصريون… رغم أن الرئيس – كما هو منشور في صحيفة الإندبنت من يومين وبناء على توصية نجله وبشهادة مقربين منه أمر الجيش بضرب المتظاهرين بالطائرات – ولكن الجيش رفض.

هناك سبب آخر مرضي… وهو ما يسمى ب"متلازمة استوكهولم"… وأصل الحكاية أنه عام 1973 هاجم بعض المسلحين أكبر بنك فى مدينة استوكهولم واحتجزوا بعض الموظفين كرهائن، وعلى مدى أيام حاول رجال الشرطة السويديون التفاوض مع الخاطفين من أجل إطلاق سراح الرهائن. وعندما نفذت الشرطة هجوما مفاجئا ونجحت فى تحرير الرهائن. حدثت المفاجأة: فبدلا من مساعدة الشرطة فى مهمتها، راح بعض المخطوفين يقاومون محاولة تحريرهم، بل إنهم أبدوا تعاطفهم مع الخاطفين وظلوا يدافعون عنهم وذهبوا ليشهدوا لصالحهم بعد ذلك أمام القضاء.

درس أطباء النفس هذه الظاهرة الغريبة وقاموا بتحليلها وخرجوا بهذا التوصيف للمرض الذي عرف بعد ذلك بمرض استكهولم والذي يصيب حوالي 25% من ضحايا الخطف والاعتداءات الجسدية بأنواعها المختلفة،

تشير هذه النظرية أن بعض الناس عندما يتعرضون إلى الخطف أو القمع والاعتداء الجسدى أو حتى الاغتصاب بدلا من أن يدافعوا عن كرامتهم وحريتهم، فإنهم مع تكرار الاعتداء يتعاطفون مع المعتدى ويذعنون له تماما ويسعون إلى إرضائه.

والسبب في ذلك هو أن الإنسان عندما يتعرض إلى القمع والإذلال، ويحس بأنه فاقد الإرادة لا يملك من أمره شيئا وأن الجلاد الذى يقمعه أو يضربه أو يغتصبه، يستطيع أن يفعل به ما يشاء..يكون عندئذ أمام اختيارين: إما أن يظل واعيا بعجزه ومهانته وينتظر الفرصة حتى يثور على الجلاد ويتحرر من القمع، وإما أن يهرب من إحساسه المؤلم بالعجز وذلك بأن يتوحد نفسيا مع الجلاد ويتعاطف معه.

وكذلك فإن عدداً من أفراد الشعب الذى يعانى من الاستبداد والقمع لفترة طويلة قد يُصاب بمرض استوكهولم فيتوحدون نفسيا مع من يقمعهم ويذلهم، ويعتبرون الاستبداد شيئا إيجابيا وضروريا لحكم البلاد. كما يقول الدكتور علاء الأسواني.
…………..

أعتقد أن المصريين قد تخلصوا من هذا المرض بقيامهم بثورة 25 يناير وإصرارهم على نجاحها… وهو النجاح الذي لم يكن مقتصراً فقط على الشباب وإنما شارك فيه المصريون جميعاً على اختلاف أعمارهم وفئاتهم وتجمعاتهم السكنية والمهنية. ليشاهدوا بأنفسهم تطبيقاً لسنن كونية لا تتغير ولا تتبدل مثل:

"وينزع الملك ممن يشاء"
"و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"
"وخاب كل جبار عنيد"
"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"
"ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاسبتقوا الصراط فأنى يبصرون"

وليس من شيم المصريين ولا ثقافتهم ولا أخلاقهم أن يتجاوزا في الإساءة إلى الرئيس السابق… بل إنني عن نفسي لا أقبل من أي شخص – خاصة إذا كان غير مصري- أن يقول كلمة إساءة أو تهكم أو سخرية واحدة عن الرجل… وكل ما أقوله: هو أن الرجل أدى دوره… ثم ترك مكانه لآخرين ليكملوا المسيرة… وإذا كان هناك من أخطاء فسيكشفها التاريخ… وإذا كان لنا من حقوق فنأخذها بالحق والقانون.

بقي أن أقول إن المدافعين عن مبارك اليوم أشرف وأطهر ألف مرة من "المتحولين" و "المتلونين" الذين كانوا يعتبرونه من أسبوع فقط نصف إله امتلك كل الحكمة وكل العطف وكل الإنجاز … أما اليوم فهو بأقلامهم وعلى صفحات جرائدهم وفي فضائياتهم أستاذ إبليس اللعين.
……………..

لا وقت للألم…
لا وقت للقلق…
لاوقت للشماتة….
لا وقت للتشفي…..

الوقت للبناء.

Advertisements