(نشر هذا المقال لأول مرة في فبراير 2007 تعقيباً على النقاش السائر حينها عن التعديلات الدستورية، وأعيد اليوم نشره مع تعديلات طفيفة تناسب الظرف الراهن.

وأرى أن أهم ما تواجهه مصر فيما مرحلة (م.ب.م) أو ما بعد مبارك هو إعادة اكتشاف الهوية التي مسخها النظام السابق، وتحول معها المصريون إلى مجموعة أفراد لا يربطهم رابط ولا تجمعهم ثقافة مشتركة وهم واحد).

……………

يبدو أن مناقشات الأسابيع القادمة حول التعديلات الدستورية المقترحة ستكشف عن أزمة هوية تعاني منها مصر أو يشعر بها بعض المصريين تجاه تحديد أولوية انتماءاتهم وفق الدوائر الثلاث: المصرية والعربية والإسلامية.

وحال بحثي عن قضية الهوية نبهني بعضهم إلى تفاوت دقيق في تعبير كل دولة عن هويتها. فهناك: "الجمهورية العربية السورية" التي تبرز الهوية العربية قبل الهوية الوطنية، بينما أعلنت "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" عن إسلاميتها قبل أي انتماء آخر ، على عكس " جمهورية باكستان الإسلامية" التي رغبت في إبراز تمايزها الوطني عن الهند قبل أن تعلن عن إسلاميته، أما "الجمهورية اللبنانية" فقد تغلبت على التنوع الثقافي والمذهبي بين مواطنيها فحذت حذو فرنسا، واستبعدت من اسمها أية دلالة على تفضيل انتماء بذاته على انتماء آخر. قد تكون هذه مجرد ملاحظات هامشية لا تحمل قيمة علمية لكن قيمتها الدلالية لا تخفى.

وفي الحالة المصرية فإن الدوائر الثلاث (مصرية- عروبة- إسلام) ستظل قائمة وماثلة في جينات كل مصري –بما فيهم الأقباط، حتى لو تفاوت الأفراد في التعبير عنها والالتزام بها.
……………

و بالرغم من أن المادة الثانية من الدستور ليست مطروحة الآن على نطاق البحث والتعديل إلا أن تشكيل اللجنة الجديدة لتعديل الدستور، وتولي المستشار البشري رئاستها وهو المعروف في الدوائر الغربية بأنه (قاض إسلامي)، وانضمام الأستاذ صبحي صالح المحامي الإخواني لها أثار الكثير من التساؤلات حول هذا التشكيل.

وفي رأيي أن هذه اللجنة – بخلاف اللجنة التي شكلها الرئيس مبارك قبل تنحيه- قد راعت البعد السياسي بخلاف اللجنة السابقة التي راعت البعد القانوني فحسب. ففي أعضائها الدكتور عاطف البنا وهو وفدي، وصبحي صالح وهو هنا يحضر تأكيداً لإعلان القطيعة مع النظام السابق فقد تم إسقاطه عمداً أمام عبد السلام المحجوب (المحافظ والضابط البارز سابقا في المخابرات المصرية)، فضلاً عن أنه محامي الشهيد سيد بلال الذي استشهد على يد زبانية وزارة الداخلية. إذن فالرسالة السياسية واضحة في التشكيل…

وقد عاب عليها البعض عدم وجود مسيحيين من أعضائها تأكيداً لحسن تمثيلها للمجتمع المدني… وهو أمر أظنه فات المجلس العسكري، ولم يقصده أو يتعمده. ويمكن معالجته لاحقاً.
………….

أنا واحد من ملايين المصريين الذين أبدوا عدم ارتياحهم للمطالبات التي نادت بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة وأن مباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

واعتبر بعض الإسلاميين أن مجرد هذا الطرح هو نوع من العمالة للأجنبي و الاستعداء بالخارج على ثوابت الأمة. والحق أنني لست مع هذا الاتهام. فهذا هو وقت يجب أن نستمع فيه لكل الآراء بغير تعصب أو تخوين.

وأعتقد أنه من حق الإخوة الأقباط أن يعلنوا عن رأيهم بصراحة، وعن تخوفاتهم بصدق… لأنهم شركاء أصليون في هذا البلد. والمفترض في الدستور الجديد أن يعبر عن توافق يرضى عنه الجميع، ولا يصد عن قهر وإذعان يفرض فيه أحد الطرفين رأيه بالقوة والغصب، لأن خروج الدستور بهذه الطريقة لا يوفر للدولة الأمن والسلام الذي تنشده لتبدأ في تعويض ما فات اقتصادياً واجتماعياً.

وبنفس المنطق الذي يوجب علينا أن نسمع لمخاوف الأقباط ومطالبهم، فيجب علينا أن نصغي لآراء السلفيين والإخوان والجماعات الإسلامية، ولا نستبعدهم من النقاش. وقد صرح عيود الزمر قبل سنوات أنه لا أمل في مصر دون قضاء عادل و حكم إسلامي فكان مثل هذا التصريح مبرراً لاستمرار اعتقاله. وقد حان الوقت للإفراج عن كل المعتقلين الإسلاميين دون حرج أو تخوين.

و في هذا الفترة الدقيقة فليس من اللائق أن يتم الحجر على أي فرد أو تيار سياسي وجد أنها فرصة لأن يطرح على مائدة البحث أحد المواد الدستورية – كنسبة العمال والفلاحين في المجلس النيابي مثلاً- ويتناولها بالتحليل والاعتراض. حتى ولو بدت آراؤهم للبعض مغرقة في التطرف تجاه هذا الجانب أو ذاك.

لا حجر مسبقاً على الرأي… أما ما سينتهي إليه الرأي في النهاية فهو ما سيتوافق عليه الجميع… ولا أظن أن المصريين سوف يتوافقون على شيء يخالف دينهم وثقافتهم وإتناءهم العربي والإسلامي.

………….
ولا أدري أي خبيث هذا الذي تبنى حملة جمع مليون توقيع يطالبون بإلغاء المادة الثانية، فرد عليه آخرون بالإعلان عن حملة لجمع 10 ملايين توقيع للإبقاء عليها. وكلا الفريقين عابث.

ولو كانت لدينا هذه القدرة على جمع التوقيعات، فلماذا لا نجمعها استنكاراً لهدم الأقصى الشريف، أو لرفع الحصار عن الفلسطينيين، أو لإيصال المياه النقية إلى حنفيات المصريين.

و أي ضير في بقاء مادة تمثل استجابة حقيقية لأشواق جموع المصريين في الاحتكام إلى مرجعية سماوية تعنى بتنظيم حياة الناس دون أن تضيق عليهم أو توقعهم في حرج "ما جعل عليكم في الدين من حرج". ناهيك عن أن المادة شأنها شأن العديد من المواد الجيدة في الدستور المصري – مثل التعددية الحزبية وحقوق المواطنين – منصوص عليها مع إيقاف التنفيذ.

وقد اطلعت على ما قدمه طالبو الحذف من حجج، ووجدتها إما مبنية على جهل بمباديء الشريعة، أو متحفظة على فكرة الاحتكام إلى غير ما انتهت إليه الممارسات السياسية المعاصرة، أو متخوفة من إساءة استغلال الدين من قبل بعض جماعات الإسلام السياسي. و هذه الشكوك المشروعة يزيلها الحوار وكشف الشبهات وتوضيح مواطن اللبس، وحسن الإنصات المتبادل، وليس القفز إلى التصادم مع جماهير عريضة من المتدينين بالفطرة والوراثة.

يقول بعض المنادين بإلغاء هذه المادة: أية شريعة تريدون الاحتكام إليها: شريعة السعودية أم إيران أم السودان؟ وأقول: نريد الاحتكام إلى الشريعة التي تدرس في كليات الحقوق المصرية والعريبة… دعك من الكليات التي تدرس المواد الشرعية.

إن أحداً لم يسخر من الاشتراكية حين اختلف تطبيقها في الصين وروسيا وأسبانيا وفنزويلا، رغم أن كل تطبيق كان مدموغاً بالتجربة الخاصة لكل منها.

كما أن السؤال الاستنكاري الساخر:أي إسلام تريدون؟ هو نفسه دليل البراءة. ذلك أن الثراء والتنوع الذي يحمله التراث الفقهي، يجعل اختيار القائمين على الحكم لأحد الآراء أو الأحكام أو المذاهب من بين مجموعة من الآراء المتباينة الرؤى في ظل غياب معايير دينية صريحة للترجيح بين هذه الآراء، هو اختيار مدني وسياسي وليس دينياً، وهو ما يعرف في الفقه باسم "المصلحة" أو باسم "العرف" حسب نطاق التطبيق.
……………

و سيذوب كثير من الاحتقان إذا قبل المجتمع المدني الأحزاب ذات المرجعية الدينية ضمن نسيجه الشرعي، لكن هذا متوقف على قبول جموع التيارات الإسلامية لفكرة الدولة المدنية بشكلها وآلياتها الحديثة.

وفي الساحة عدد من الحركات الإسلامية التي قبلت فكرة الدولة الحديثة بشكل مطلق، ولكن معظمها يجاهر بالإعلان بأن إيمانه بالدولة الحديثة ينطلق من ضغوط الواقع، ويستند إلى "فقه الضرورة"، بمعنى أنه قبول تكتيكي وليس خياراً استراتيجياً، الأمر الذي يعطي الفرصة للحكومة لتشكك في مصداقيته، وتحاسبه على نواياه.

ومن المؤسف كما يقول الأستاذ فهمي هويدي: أن تستمر محاكمة التيار الإسلامي بسبب أحداث عنف وقعت قبل 60 أو 50 عاما وتبرأوا منها وأنكروها وتم تجاوزها بعد ذلك، بينما اتخذ قرار السلام مع إسرائيل بعد 6 سنوات من آخر حرب بيننا وبينهم. ولا أدري أي منطق هذا الذي يسوغ أن يكون تطبيع العلاقات مع العدو أيسر من تطبيع العلاقات بين السلطة والتيار الإسلامي.

………………
ويبقى دور الفقهاء أو العلماء في الدولة محلاً لتساؤل هام هو: لمن تكون الكلمة الأخيرة؟ للسياسي أم للفقيه؟ لمن اختاره الناس عبر صندوق الانتخاب أم لمن تفرغ لدراسة أصول الفقه والسياسة الشرعية فكان –نظرياً- أقرب لفهم مراد الله؟

وقد صدرت مبادرات للتوضيح من بعض رموز الحركات الإسلامية لكنها غير كافية ويفتقر معظمها إلى الرصانة العلمية والتأصيل العميق. كما أن هناك عشرات الرسائل العلمية في هذا الموضوع، لكنها لم تخرج عن النطاق الأكاديمي، وقد اتسم بعضها بحياد بارد وكأن الموضوع عن أثر عقيدة وشريعة محلية في قبيلة مغمورة، بينما حرم الحماس كثيراً من رسائل جامعة الأزهر من فضيلة الجدل الأكاديمي الذي كما يبشر بالإيجابيات يستعرض السلبيات والعوائق,

……………..

ونحن مع من يقول بفصل الإسلام عن الدولة، لا بمعنى إقصاء الإسلام عن السياسة العامة والتشريع القانوني، والتوجيه الاجتماعي، فذلك شبه مستحيل حتى لو أردناه، فضلاً عن أنه لا يقول عاقل إن تنازلاً مجانياً عن هويتنا سيجعلنا أفضل في عالم يترصدنا من أجل هذه الهوية، حتى لو كانت ناقصة وممسوخة.

المقصود بفصل الإسلام عن الدولة – في رأيي- أمران جوهريان:

الأول: أن تحظى المعاهد ومراكز الأبحاث الدينية باستقلال تام –مالي وإداري ومنهجي- عن النظام السياسي القائم، بحيث يتوفر لها أن تقدم الرأي الديني بعيداً عن الترهيب والترغيب.

والثاني: أن يتحمل الحاكم مسئوليته السياسية الكاملة عن قراراته التي يتخذها وتوجهاته التي يتبناها، سواء وافقت ما انتهى إليه اجتهاد علماء الدين – أو بعضهم- أو حتى خالفت الإجماع الذي جرى عليه العمل لقرون، لمصلحة رآها الحاكم ومررها بالطرق السياسية المشروعة.

وليس للعلماء سلطة المنع والمنح، وإنما واجب الإعلان والتنبيه.

ولا يجوز لعالم أن يعزل حاكماً، ولا لحاكم أن يحبس عالماً،

والحاكم هو المسئول الأول والأخير أمام الله وأمام الشعب عن قراراته، والمجلس التشريعي مسئول أمام الله وأمام الشعب عن القوانين التي تصدر عنه، والآليات السياسية التي تتفق عليها جموع الأمة –وفي القلب منها تداول السلطة- هي وحدها التي تحاسب الحاكم، بالتجديد له أو إسقاطه أو حتى عزله إذا اقتضى الأمر.

و هذا الفصل الواضح بين الأدوار، والمعضد بفصل مواز بين السلطات، يحجب أية قداسة عن القوانين أو التشريعات أو السياسات التي تنتهجها الدولة بزعم أنها تعبير صادق عن الإسلام الصحيح، وينفي عن الدولة شبهة أنها دولة ثيوقراطية كما هو نظام الحكم في إيران مثلاًً.

والأهم أنه لا يحجب هذه القداسة والتوقير عن القوانين فقط، وإنما يحجبها أيضاً عن المجموعة الحاكمة -أيا كان شكل الحكم- لأنها وفق هذا التصور تقوم بوظيفة اسمها الحكم ولا تمثل الله في الأرض ولا تحكم باسمه.

وعندها لن يتوقف كثيرون أمام شكل الجمهورية هل هي جمهورية برلمانية وهو الاختيار المفضل الآن لجموع المصريين لما فيه من تقليص واضح لسلطات الرئيس تحميه – قبل أن تحمي الشعب – من التعسف في استخدام السلطة.

كما لن يتوقف أحد أمام الاسم الرسمي الجديد لمصر حين يختارون بين بدائل من مثل: "جمهورية مصر العربية" أو "الجهورية الإسلامية المصرية" أو حتى "المملكة المصرية".
……………….
………..
……

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

Advertisements