(نشرت لأول مرة بجريدة الدستور المصرية عام 2007، ونعيد اليوم نشرها مع تعديلات طفيفة)

حتى لو لم تكن المادة الثانية من الدستور تنص على أن مباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فإن القراءة الشرعية لمقترحات التعديلات الدستورية واجبة لضمان عدم تعارضها  –بل وانطلاقها- من عقيدة وقيم المواطنين المعنيين بهذه التعديلات.

ومن العبث تجاهل أن الدين – في مصر وخارجها- لا زال أحد المرجعيات الكبرى للسلوك اليومي، فضلاً عن أن دراسة الأثر الإيجابي أو السلبي للتعديلات الدستورية على قيم الناس الدينية على لا يقل أهمية عن قياس الأثر الاقتصادي أو الاجتماعي، ولا أدري لماذا يصر البعض على اعتبار مثل هذه الدراسات مبالغة ممقوتة أو لغواً لا طائل من ورائه، أو محاولة لجر البلد للخلف.

وقد أثبتت الأيام أن مقولة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، كانت تحمل تبسيطاً مخلاً أو حلماً مستحيلاً دفع ثمنه صاحبها الرئيس السادات نفسه، في أعنف نفي عملي على تهافتها.

ومن العسير على أي محلل أن يفصل السياسي عن الديني عند متابعته أحداثاً من مثل: استراتيجيات بوش "الرسالية"، وغزوتي نيويورك ولندن للإمامين بن لادن والظواهري (!)، وقوانين الحجاب في أوروبا، والدولة "اليهودية" على أرض فلسطين التاريخية، والتلكؤ في قبول تركيا "المسلمة" في الاتحاد الأوروبي "المسيحي"، وقوانين الهجرة في بريطانيا، وأسلحة إيران النووية، ومظاهرات مناصرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الرسوم الدنماركية، وإعدام صدام صباح عيد الأضحي، وتصريحات بابا الفاتيكان بخصوص الرسول والقرآن، ومؤتمر إيران عن الهولوكست، وسحب كتاب د. محمد عمارة عن التكفير.

ولو شئت لسردت مئات الأمثلة من قرارات السياسيين، وتصرفات المواطنين في الشارع والمتجر ومحل العمل التي تؤكد على أن الدين – أو على الأصح تفسير الناس لمعنى التدين – يمثل أحد أهم معايير الأفراد في الحكم على الأحداث، ومعايير الحكام في اتخاذ القرارات ، دعك من أن تعريف علماء الشريعة للسياسة وأصول الحكم يجعل الدين في القلب منها.

و تأتي التعديلات الدستورية الحالية التي تشرف عليها  اللجنة المشكلة من الجلس العسكري الحاكم  متزامناً مع عودة عدد كبير من قادة و أفراد الجماعات الإسلامية إلى الحياة المدنية بعد سنوات قضوها في السجون. وفي الوقت الذي يتحسب فيه الجميع ردود فعل التيار الإسلامي الغالب والمعتدل (والمحظور) وهو جماعة الإخوان المسلمين، يتم تجاهل العائدين ولا تبذل أية جهود لاستيعاب هذا التيار واستمالته.

وإذا انتهت المناقشات إلى إقصائه كلياً من العملية السياسية، فسيصبح عبئاً على المجتمع يحول دون استقراره… خاصة أن عدداً من التعديلات المطروحة تمس في جوهرها الأصول العقدية لهذا التيار، والتي من أجلها أقدم على اغتيال الرئيس السادات، وبرر لنفسه أعمال عنف استمرت لما يزيد عن عشرين عاماً، ولا زالت توابعها باقية.

ورغم أن المادة الثانية من الدستور ليست مطروحة للتصويت، إلا أن هناك عدداً آخر من المتعلقة بها مثل تأكيد فكرة المواطنة، أو تمكين المرأة من المشاركة في الحياة السياسية، أو حظر قيام الأحزاب على أساس ديني أو حصر الترشيح للرئاسة على المنتمين للأحزاب السياسية، أو قانون الإرهاب.  

و ينظر إليها هذا الفريق – وفق اجتهاداته الخاصة – باعتبار التغيير انتقاصاً حاداً من توجه الدولة الإسلامي، أو تعطيلاً مقصوداً لهذا النص غير المفعل أًصلاً، خاصة أن الدولة في عرف هذا الفريق بدستورها الحالي متهمة بأنها دولة جاهلية، أو على الأقل تفتقر للعديد من الشروط التي تلزمها لتكون "دارإسلام" بالمفهوم الفقهي القديم. 

وعلى الجانب الآخر، فإن تعدد القراءات التي تحذر من الصعود المتزايد للتيار الإسلامي، بما يرشحه ليكون وريثاً محتملاً للحكم، أصبح يشكل تهديداً واضحاً لم يتردد الأقباط في إعلانه،  لما يرونه من غموض خطاب التيار الإسلامي فيما يخص قضية الحريات الفردية والعامة، وأيضًا قضايا المساواة الكاملة في المشاركة في الحكم والإدارة دون تمييز بسبب الدين.

 ولأن الإعلام نجح في تصوير نماذج الحكم الإسلامية في أفغانستان والسودان وباكستان وإيران، بشكل لا يطمئن غير المتدينين فضلاً عن المختلفين في العقيدة. الأمر الذي دفعهم إلى المجاهرة بضمانات دستورية متزايدة، يراها البعض خروجاً عن التوافق العام، وتكريساً لمبدأ الطائفية عن طريق المحاصصة، وهو الذي لم تعرفه مصر على مدار تاريخها الممتد لعشرات القرون، فضلاً عن أنه يتناقض كلياً مع  التوجه نحو إبراز "المواطنة" التي تعني المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز.

وقد يبدو سؤال بسيط مثل: هل تتعارض "المواطنة" مع مباديء الشريعة الإسلامية؟ وهما مادتان يراد النص عليهما معاً في الدستور، مقدمة لسيل لا ينتهي من النقاشات على المستوى القانوني والديني والاجتماعي.

هل المواطنة تنتقص من فكرة الانتماء الإسلامي؟

هل يجب على كل مسلم مصري أن يتنكر ويدين تماماً فكرة الخلافة؟

هل إعطاء حقوق متساوية للمسيحيين يستلزم بالضرورة إعطاء هذه الحقوق للبهائيين و الهندوس و الشيعة؟

هل تعني المواطنة أن من حق البابا شنودة أن يتولي رئاسة الجمهورية؟

هل هذا مقبول شرعاً؟

هل تعني المواطنة أن من حق محمد بديع أو عبود الزمر أو محمد حسان أن يكون رئيس مصر؟ هل هذا مقبول أمنياً؟

هل تعني المواطنة أن من حق المسيحي أن يدرس بجامعة الأزهر؟ وأن يتولى رئاستها شيعي؟

هل تعني المواطنة أن يسمح الدستور بتولي سيدة رئاسة الجمهورية؟ ما رأي المجتهدين المعاصرين؟

هل تحول مباديء الشريعة الإسلامية دون مشاركة الأقباط في القضايا الوطنية وفى الحياة العامة؟

…………..

ومن المؤسف أن النقاش حول الدستور لا يزال يدور على مستوى النخبة، والأسوأ من ذلك أن مناخ النقاش يسيطر عليه هاجس الحكم العسكري وشبح الإخوان وتذمر الأقباط، وكيف ستعالج النصوص الدستورية كلاً من هذه الثلاثة، وكأن هذه القضايا ستظل قدر مصر لمئات السنين.

إن البعض يستنتج – بسذاجة – من هذه المجادلات أن الدين يتدخل فيما لا يعنيه ليفسد السياسة، وأن الحل يكمن إلغاء المادة الثانية من الدستور، وفي حبس الدين في المسجد والكنيسة، وإبقاء أثره على المجتمع باهتاً مع النص بوضوح في الدستور على علمانية الدولة. 

وحتى لو سلمنا أن هذا هو الحل الأمثل – وهو بالتأكيد ليس أمثل وليس حلاً أصلاً- فكيف يمكن تطبيقه؟

هل يكفي لتغيير ثقافة شعب أن نحذف مادة دستورية أو نضيف أخرى؟

وماذا عن الممارسات اليومية في الشارع والإعلام وأماكن العمل التي تتعارض مع هذا النص المفترض؟

وماذا عن الآخر خارج الدولة الذي لا يلزمه دستور ولا قانون باحترام عقيدتي وقيمي؟

ثم ألم يثبت التاريخ  أن أفضل الوسائل لنشر روح السلام والتسامح بين البشر هو تفعيل "النصوص المقدسة" في الكتب السماوية التي جاء بها رب البشر، وليس الاعتماد على المواد الدستورية المجمدة، أو الآراء الشخصية و التعليقات السطحية لسياسي متحذلق أو رجل دين منافق.

إن الدين لا يفسد السياسة، ولكن السياسيين يستغلون الدين لتحقيق أهدافهم السياسية، وهم يستعينون في ذلك ببعض المنتفعين من المشتغلين بعلوم الدين.

إن المادة الثانية من الدستور خط أحمر… وبقاؤه لا ينتقص أي حقوق من حقوق الأقباط أو غيرهم، ولا يتعارض مع فكرة المواطنة. والقائلون بعرضها للتصويت على الأقباط فقط يضربون فكرة مدنية الدولة في مقتل… فهل عرضت فرنسا نصوص منع الحجاب على المسلمين فقط، وهل عرضت سويسرا استفتاءها لمنع المآذن على المسلمين فقط.

لا حل إلا بالحوار والشروح والضمانات… ولا يوجد ما يمنع من أن تضاف إلى هذه المادة أو تضاف مادة أخرى تؤكد على الحقوق المتساوية للأقباط وتؤكد على أحقيتهم في تطبيق تعاليمهم الدينية على ما يخصهم من الأحوال الشخصية وغيرها.

ولا يصح أن يحملنا الفهم أو الاستخدام الخاطيء للدين والنصوص الشرعية على اتهام الدين أو استبعاده ، وليكن كل همنا – مسلمين وأقباط – أن يعود الدين "الحقيقي" بقيمه الفطرية البسيطة والأصيلة ليكون فوق الدستور وفوق القانون، وفي عقل كل منا ووجدانه، ضمانة حقيقة لاستقرار مصر، وحافزاً قوياً لنهضتها وسعادة أبنائها.

wael.aziz2000@hotmail.com

Advertisements