هل يسمح لي من الكتاب الأفاضل والمفكرين الشرفاء الذين ينادون برفض التعديلات الدستورية بالاختلاف معهم… لنستفيد مرة… من فكرة الرأي والرأي الآخر… ولنتخذ قرارنا بناء على معلومات وحقائق وليس كما اعتدنا في النظام السابق بناء على انطباعات وأوامر وتعليمات!!

قرأت تقريباً كل ما كتب من رفض للتعديلات الدستورية ولم أقتنع بأي منها. خاصة أن بديل الرفض وهو إطالة أمد الحكم العسكري، أسوأ بكثير جداً من بديل الموافقة، وهو الخشية من ألا يكون البرلمان القادم معبراً عن التوزيع الحقيقي للقوى السياسية، وأن يستأثر الرئيس المنتخب بصلاحيات واسعة، وهو كلام غير صحيح وغير دقيق لأن مواد الدستور التي تتيح هذه الصلاحيات معطلة بنص قرار المجلس العسكري.

وأعتقد أن هناك سبباً آخر غير معلن وراء هذا الرفض من العديد من القوى السياسية، وهو حصول الإخوان المسلمين على الأغلبية في البرلمان، وإن كانت أغلبية لا تتيح لهم تشكيل حكومة مستقلة. كما أن حصولهم على نسبة 30% من الأصوات في الانتخابات القادمة هي محل شك، لأن أصول لعبة الانتخابات المصرية لا تزال حول العائلات والخدمات أكثر منها حول الأفكار والمباديء.

وكل ما يقوله الرافضون للتعديلات الدستورية نحن معه، ولكن لا نعتقد أن رفض التعديلات يمثل حلاً.

هم يقولون مثلا:
• إن التعديلات غير كافية، ونحن مع هذا الرأي،
• ويقولون إن الدستور القديم لم يعد يصلح ويجب تغييره، ونحن مع هذا الرأي،
• ويقولون إن بعض المواد الجديدة ليست محل إجماع خاصة مسألة شروط الترشيح للرئيس الجديد ، ونحن مع هذا الرأي.

وكل ما يطالبون به يمكن تحقيقه، بل في رأيي إن أفضل الطرق لتحقيقه هو الموافقة على التعديلات الدستورية، التي تمثل خريطة طريق للخروج من الأزمة، وجدولا واضح المعالم للوصول إلى بر الأمان بإعداد دستور جديد من هيئة تأسيسية منتخبة، وتغيير صلاحيات الرئيس.

لقد كانت فلسفة ومنطق المستشار البشري ولجنته في صياغة هذه التعديلات في غاية الحكمة والدقة والفهم العميق، خاصة أن جميع البدائل المطروحة لم تكن غائبة عن باله، وهو يختار المواد المرشحة للتعديل، ثم يضع التعديلات.

السيناريو الذي تطرحه الموافقة على التعديلات يتمثل فيما يلي:

• انتخاب برلمان خلال عدة أشهر وفق قانون جديد للانتخاب يضمن إشرافا قضائيا كاملا، ما يعني أن تكون النتيجة معبرة إلى حد كبير عن آراء الشارع في مصر كلها وليس في مديان التحرير وحدهً. وليست مشكلة البشري الآن أن الشارع له توجه معين، أو أن جهة أكثر استعدادا من جهة، فهذه كلها تنبؤات، يمكن أن يثبت زيفها أمام صندوق الانتخابات. إما أننا كشعب مستعدون للديموقراطية وقادرون على تحمل نتائجها، وإما لا. ومن قال إن الشعب غير جاهز من قبل مثل أحمد نظيف وعمر سليمان تم اعتبارهم مجرمين. فلماذا نعيد ما قالوه اليوم؟ هل نحن مع الديموقراطية بأخطائها أم نريد ديموقراطية تفصيل على هوانا لأننا أدرى بما يريده الشعب غير الجاهز؟!! وما الفرق بين هذا الكلام وما كان يردده منظرو النظام السابق؟!!

• يوفر هذا السيناريو انتخاب رئيس وفق شروط ترشيح معقولة، وتضمن على الأقل خمسة مرشحين ذوي حظوظ كبيرة في الحصول على أصوات كثيرة. ما يجعل المنافسة حقيقية، والنتيجة في النهاية لصالح مصر. وإذا كان مرشحاً جاهزاً اليوم أكثر من غيره بسبب دوره في الثورة فهل يجب معاقبته على ذلك؟!! وما هي التغييرات الجوهرية المتوقع حدوثها على المرشحين والناخبين إذا تم تأخير الانتخابات لمدة عام آخر نخضع فيه لحكم استثنائي حتى يستعد الناخبون؟!! لا شيء… لا شيء بالمرة… من يريد أن يستعد فليستعد للانتخابات التالية… ولا أظنها سوف تتأخر كثيراً.

• ويوفر السيناريو آليات واضحة لكتابة دستور جديد من هيئة تأسيسية (ليست بالضرورة من أعضاء البرلمان)، وسيكون تشكيلها متوازنا لضمان أفضل نتيجة ولديها وقت كاف (6 أشهر) تعمل في ظروف طبيعية، ويتاح لها أن تتواصل مع جموع الشعب للتعرف على رغباته الحقيقية، وليست معينة من قبل المجلس العسكري أو غيره، أو منتخبة مباشرة من الشعب لأنه من الصعب على جموع الشعب اختيار التقنيين المناسبين مباشرة ومن القاعدة.

• مع كتابة دستور جديد، فإن كل المواد قابلة للنقاش، بما فيها المواد الدستورية الخاضعة للاستفتاء عليها الآن، ومنها شروط الترشيح ومدة الرئيس وقوانين الانتخاب، والفصل في العضوية، ونسبة العمال والفلاحين وكوتة المرأة والنظام البرلماني والرئاسي، والحاجة لوجود مجلس شورى، … إلخ. وأتوقع أنه مع صدور الدستور الجديد فإن عدداً من هذه المواد سوف يتم تغييرها… لأنها وضعت وفي الذهن أنها تعبر عن مرحلة انتقالية… كما أتوقع أن يقوم كل من الرئيس والبرلمان بغرفتيه الشعب والشورى، بالاستقالة وإجراء انتخابات جديدة وفق بنود الدستور الجديد، لأن حجم التغيير فيه سيكون كبيراً، ما يستدعي استقالتهم والبدء من جديد.
…………


أظن أن هذه خطة عاقلة وحكيمة، وتصل للهدف بأقل قدر من الأضرار والخسائر إذا أحسنا النوايا وأبعدنا جانب التشكيك والتخوين…

أما رفض التعديلات فيعيدنا لنقطة الصفر، خاصة أنه ليس أمامنا تصور آخر لحل بديل… إلا بإطالة أمد الحكم العسكري، أو فكرة المجلس الرئاسي، وهي كلها حلول استثنائية تؤخر إلى حد كبير من دخول البلد في حالة الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي… وهي أولوية كبيرة لأن ما خسرناه من العطلة كبير… ولا أرى أي مكسب من إطالة أمد الحكم العسكري.

قد أكون مخطئاً… ويكون المنادون برفض التعديلات على صواب… لا أحد يعرف… ولن أندم أو أخجل حين أكتشف أنني كنت على خطأ، ولن أفخر وأطبل وأزمر حين تكشف الأيام أنني كنت على صواب… وهذه هي فضيلة الاجتهاد… من اجتهد وأخطأ فله أجر… أما من سخر وأعرض فليس له إلا التجاهل والإهمال.

ليس مهما من على صواب ومن على خطأ… المهم أن نفكر ونجتهد ونحاول….

المهم أن نقول رأينا في التعديلات سواء بنعم أم لا..
والمهم أن نقبل النتيجة سواء كانت مع ما دعونا إليه أم ما دعا إليه غيرنا…
والمهم أن نتعامل دائماً مع بعضنا البعض باحترام وتقدير…
وأن نضع مصلحة بلدنا نصب أعييننا…
أم ديننا فهو في أحشائنا وضمائرنا لا يفصلنا عنه إلا الموت.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
 

Advertisements