كان رأيي ولا يزال أن:
التصويت بنعم أو لا..
ليس اختيارا بين حق و باطل…
ولكن مفاضلة بين حقين.

و يبدو أن نتيجة الاستفتاء تتجه إلى أغلبية تقول: “نعم” للتعديلات الدستورية… تماماً كما دعوت وكما توقعت.

يمكنني الآن وبقلب مطمئن أن أنضم إلى فريق "لا".

عندما كنا صغاراً… كان أبي يعلمني أن أفضل طريقة لتقسيم الرغيف بالعدل بيني وبين أخي… أن يقوم أحدنا بتقسيم الرغيف، بينما يقوم الآخر باختيار النصف الذي يعجبه. وفي مباريات كرة القدم فإذا اخترت الملعب، فإن الفريق الآخر يبدأ هو ضربة البداية.

وقد اختارت أغلبية المصريين “نعم”.. فعلى فريق”لا”أن يضرب هو ضربة البداية. وقد اختار فريق ““نعم”” تقسيم الرغيف… والآن فليقم فريق”لا” باختيار النصف الذي يعجبه.
…………

وأصل الحكاية أن هذا الاستفتاء لم يكن استفتاء "بحق وحقيق"، وإنما كان "بروفة" لما يجب أن تكون عليه الانتخابات والاستفتاءات القادمة. والخلاف بين “لا” و ““نعم”” لبست خلافا بين عقيدتين أو أيدلوجيتين، إذا اخترت إحداهما فعليك أن تطرد الأخرى (كالإيمان والإلحاد)، وإنما هو خلاف بين طريقتين مشروعتين في الوصول إلى نفس الهدف وهو كتابة دستور جديد يعبر عن آمال المصريين وطموحاتهم ويليق بهم كشعب عظيم.

ولا مجال هنا للاحتفال بفوز فريق" نعم" ، ولا لإقصاء المخالفين ممن قالوا "لا"… فالمنافسة لم تكن على كرسي في البرلمان يكسبه واحد ويخسره آخرون.

والمطلوب الآن وفوراً… أن نأتي بالأسباب المقنعة والتخوفات الحقيقية لدى من قالوا لا، ولنجعلها الآن في صدارة المشهد… لقد أراد فريق “لا” أن يؤكدوا إبطال دستور 71، وتقليص صلاحيات الرئيس، وضمان انتخابات نزيهة، وتغيير قانون ممارسة الحقوق السياسية، ومساعدتهم في تكوين أحزابهم الجديدة… وعلى فريق ““نعم”” أن يساعدهم في تحقيق هذه المطالب.

ولو كان الجيش ساعدنا وغير الاسم من "الاستفتاء على التعديلات الدستورية" إلى "الاستفتاء على الإعلان الدستوري الجديد"، بما يدفع أي شبهة عن دعوى إعادة إحياء دستور 71 الساقط لوفر علينا لغطاً كبيراً. ولا زلنا ننتظر من الجيش الكثير فيما يخص الإعداد للقوانين القادمة التي ستجري في ضوئها العملية الانتخابية.
…………..

لو كان لدي جهاز لكشف التصويت (مثل جهاز كشف الكذب)، لاستخدمته لفرز واستبعاد الأصوات التي صوتت (ب “نعم” أو ب"لا") تقليداً لفلان، أو استجابة لأمر فلان، أو تأثراً بإشاعة فلان، أو مخالفة لرأي فلان.. وأبقيت فقط على الأصوات التي صوتت بناء على قناعة شخصية، ولم تكن ظلاً لأصوات آخرين… ولو فعلت ذلك، لربما تغيرت النتيجة أو على الأقل كانت متقاربة.

ولو كان هناك مثل هذا الجهاز لاستخدمته لاستبعاد أصوات كل من قال ““نعم”” ظناً منه أن الشريعة تأمره ب”“نعم””. وهذه كذبة كبرى ومغالطة فاضحة… لأن معنى ذلك أن من قال “لا” هو مخالف للشريعة، وهذه هي الكذبة الأكبر والفرية الأعظم… فبين من قالوا “لا” أساتذة أفاضل وعلماء أجلاء ومجتهدون نبلاء… كان تقديرهم أن “لا” تحافظ على جذوة الثورة مشتعلة وتحميها من الانتكاس وهو منطق له حكمته ووجاهته.

ولم أرض أبداً عمن أشاعوا بين الناس أن “لا” تعني إلغاء مادة الشريعة الإسلامية من الدستور… وهؤلاء خدعوا الناس وأوهموهم بباطل، وأخشى أن الأصوات التي ذهبت لصالح “نعم” بهذه الحجة مشكوك في صحتها وقبولها.

وعلى الطرف الآخر، فإن من روجوا للتصويت ب “لا” كراهية في التيار الإسلامي وخوفا من سيطرة الإسلاميين (إخواناً وسلفيين وجهاديين) على المشهد السياسي هم أيضاً مارسوا دعاية سياسية خالية من النزاهة.

وأكبر دليل على هذا الخطأ هو قراءة النتيجة في صورتها النهائية….

هل لو كان مجموع من صوتوا ب”“نعم”” يصل إلى 15 مليوناً مثلاُ… فهل هذا يعني أن الإسلاميين سيحصلون على هذا العدد من الأصوات في أية انتخابات قادمة؟!!! هذا غير صحيح ولو حصل الإسلاميون على مثل هذه الأصوات لكان من حقهم أن يطالبوا بمنصب الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب والوزراء السيادية حزمة واحدة… دون أن يجرؤ أحد على منازعتهم أو منافستهم. ولكن الحقيقة أن كثيراً من الناس صوتت ل”“نعم”” أو “لا” وفق حسابات أخرى غير طائفية.

و هذه النتيجة لا تعبر عن حجم القوى السياسية في المجتمع، ولكنها تعبر عن رأي الناس في هذه التعديلات… أو كما قال لي أحدهم ممن صوت ب”“نعم””: كان التصويت بين أن نعود إلى العمل أو أن نبقي في ميدان التحرير، واخترت أن أعود إلى العمل. ويخطيء الإخوان لو بنوا حساباتهم السياسية على أن هذه هي النسبة التي سيحصلون عليها في الانتخابات البرلمانية.
……………..

ويمكنني الآن أن أقول إن الكنيسة القبطية قد ارتكبت خطأ سياسياً قاتلاً بدعوة الناس جهرة إلى التصويت بلا… وأضافت بذلك إلى أخطائها بتأييد مبارك ورفض ثورة 25 يناير وعدم اعتبار ضحاياها شهداء… خطأ آخر… كان من نتيجته أن يوماً وطنياً بامتياز كيوم الاستفتاء على الدستور تحول إلى يوم طائفي بغيض في بعض مشاهده… ولولا لطف الله لحدث ما لا تحمد عقباه.

فكل المسيحيين صوتوا ب "لا".. وهذا استخدام بالغ التطرف للدين في السياسة، كان من نتيجته أن حدث استقطاب حاد لدي قطاع عريض من الإسلاميين للتصويت ب “نعم”…

وكلا الفريقين مخطيء إذا بنى قناعاته في التصويت على أساس ديني أو طائفي… فلا يوجد في الإنجيل ما يدعو الناس للتصويت ب "لا"، ولا يوجد في القرآن ما يدعو الناس للتصويت ب “نعم”.

وما حدث هو بقايا فتنة طائفية قديمة، ما تلبث أن تخمد قليلاً ثم تعاود الظهور… ولا علاج لها إلا التوعية والحوار وإحسان الظن بالآخرين.

أرفض اتهام من قال "لا".. بأنه مخالف للدين…
وأرفض اتهام من قال "نعم".. بأنه ضد الثورة.

كلاهما:" نعم" و "لا"ا يقودان إلى نفس الهدف…
ولا يستطيع أحد أن يجزم الآن أيهما أفضل لمصر.
…………..

اتصل بي البعض لتهنئتي بأن أغلبية المصريين صوتت ب "نعم"..
وأقسم بالله العظيم… أن المصريين لو صوتوا ب "لا"… لكنت على نفس القدر من الفرحة والسعادة.

في مباراة نهائي كأس مصر بين فريقي "نعم" و “لا”…كنت أشجع فريق "نعم"…
بعد انتهاء المباراة….
علينا جميعاً أن نشجع الفريق الفائز..
لأنه سيخلع ملابسه..
و يلعب من الآن وحتى كتابة الدستور الجديد
باسم مصر.

تحيا مصر
العربية
الإسلامية
الحرة…

Advertisements