الكهنوت الإسلامي

 كان أبي رحمه الله تعالى يرتدي زي المشايخ بحكم عمله أستاذا بجامعة الأزهر وعميداً لإحدى كلياته. وكان يحدث أن يستوقفه بعض الناس في الشارع أو المكتب أو المسجد ليسألوه أسئلة مختلفة… وكان قبل أن يتابع الحوار أو يتعجل بالإجابة يطرح هذين السؤالين على من يسأله:

          هل تعرفني؟ فإذا لم يكن السائل يعرفه… فإنه يعتذر عن الإجابة بلطف، ويقول للسائل: يا بني لا تسأل من لا تعرفه، فإن العلم ليس بالعمامة ولا بالزي.

         ثم يسأله: هل هذا السؤال فتوى أم استفسار؟ فإذا قال السائل، بل إنه سؤال في التربية أو الزواج أو الاقتصاد أو السياسة يعتذر له، ويقول لا أفتي فيما لا أعلم. اذهب لمتخصص.

 
وعندما كان يدعى إلى محاضرات عامة للحديث في مواضيع مثل: المخدرات، أو أطفال الشوارع، أو الإرهاب، أو الحفاظ على البيئة… كان يرفض أن يذهب منفرداً… ويقول لا قيمة لكلامي إذا لم يكن المتحدث الرئيسي في الندوة هو عالم نفس أو عالم اجتماع سياسي، أو متخصص في علوم الصحة والبيئة.
 
كان هذا نموذجاً عملياً من عالم ديني أزهري يرفض الكهنوت، بل ويحاربه. ويؤسفني أن أقول إنه لم يكن منتشراً… حتى أن بعض حديثي التخرج من الكليات الأزهرية يفتيك عن البنوك الربوية وهو لا يعرف الفرق بين الفائدة البسيطة والمركبة، ويفتيك عن التأمين وهو لا يعرف الفارق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، ويفتيك عن الإنترنت وهو لم ير في حياته كمبيوتر، ولا كتب على الكي بيورد.
 
ليس في الإسلام كهنوت، ولكن البعض يحب أن يريح عقله فيروج لهذه الفكرة (ارميها في رقبة عالم واطلع سالم)، ويصر على أن يحول بعض العلماء إلى مفاتيح حصرية لعقول الناس وقلوبهم… حتى ولو كانت الأغلبية الساحقة من هؤلاء العلماء عاجزة عن أن تدير شأن أنفسها وشأن بيوتها.
 
أعني بالكهنوت أمرين:
الأول: وجود نخبة ضيقة تحتكر فهم وتفسير وتقديم الدين (مراد الله من العباد) للعوام وتحصر ذلك على نفسها،
والثاني: وجوب عرض كل التصرفات السلوكية اليومية للأفراد على هذه النخبة لأخذ الموافقة من عدمها.
…………….
 
في كثير من الحوارات المتعلقة بالشئون الجارية، وجدت أغلبية ساحقة من الشباب تحجم عن أن تناقش أو تفكر أو تقول رأيها "الشخصي" في الشأن العام: قبل أن ترجع وتسأل الشيخ فلان، أو تتابع على اليوتيوب ماذا قال الشيخ علان عن هذا الأمر… ثم تمتليء المنتديات بعشرات بل مئات النقول من كل من سبق اسمه لقب "الشيخ" في شرق الأرض وغربها… لتقطع الطريق على أي تفكير رشيد أو هادي أو عاقل أو عارف خارج هذه الدائرة الضيقة من "العلماء"… بحجة أن الشيخ فلان قد أفتى…. وبالتالي فالموضوع منتهي، ولا مجال للبحث فيه. مع أن شيخاً آخر أفتى برأي مناقض، ولكن تم تجاهل رأيه بحجة أنه ليس من "العلماء الربانيين"… وهذا هو ما أقصده بالكهنوت الإسلامي المرفوض.
 
ولدي هواية قديمة بمتابعة برامج الإفتاء على القنوات المختلفة… وفي أحيان كثيرة تكون الأسئلة المطروحة بعيدة عن تخصص الشيخ الموجه إليه السؤال. ولكنه في كل الأحيان يجيب، بل وبإسهاب وشروح ما أنزل الله بها من سلطان يعتمد فيها على مهارته اللغوية وقدراته الخطابية أكثر من اعتماده على علم حقيقي أو دراسة متخصصة.
 
وقد رأيت شيوخاً يجيبون على أسئلة من نوع: إن ابني عمره خمس سنوات وهو كثير الحركة ويكسر الأدوات المكتبية ويعتدي بالضرب على أخيه الأكبر، ماذا أفعل معه؟ وعلى سؤال: ابني حصل على مجموع كبير في الثانوية العامة وهو يريد دخول كلية الحقوق رغم أنه يمكن أن يدخل كلية الطب، بماذا تنصحنا؟ وعلى سؤال: لقد وجدت على تليفون زوجي الخاص رسائل من فتيات بها كلمات غزل ونكات خارجة، ماذا أفعل معه؟ وعلى سؤال: ابنتي فتاة في السادسة عشرة من عمرها وجدتها تدخن وتشاهد مجلات جنسية، ماذا أفعل؟
 
في المجتمع العديد من المشكلات… يجب مواجهتها والبحث لها عن حلول… والتربية الأخلاقية جزء من هذه الحلول. أما أن نبحث عن هذه الحلول فقط عند المشايخ، ونحجم عن الذهاب إلى العلماء المتخصصين، فهو يشبه عندي أن نذهب إلى الدجالين لعلاج الألم ولا نذهب إلى الأطباء… وهذا هو ما أقصده بالكهنوت الإسلامي المرفوض.
 
بل إن الأعجب، أنه يمكن أن يختلف شخصان على قضية فكرية مثل: هل الأنسب لمصر نظام رأسمالي أم نظام اشتراكي؟ أو هل ثورة 25 يناير جائزة أم حرام؟ أو هل الشرعية الآن شرعية دستورية أم شرعية ثورية؟ أو هل كان من الأفضل أن يتنحى مبارك أم يتم مدته الرئاسية؟ أو هل ما يحدث في مصر مؤامرة أمريكية أم ثورة شعبية؟ أو حتى هل البرادعي عميل إيراني أم عميل أمريكي؟ أو هل أحمد شفيق مناسب كرئيس وزارء انتقالي أم يجب تغيير الحكومة؟ بل إنني أعرف أن بعض الشباب يذهبون إلى بعض المشايخ ليفتي لهم أي مرشح عليهم أن ينتخبوه؟!!
 
ثم لا ينتهي الخلاف إلا بالاتفاق أن يتقابلا بعد العصر عند الشيخ "فلان" في مسجد "كذا"… ليحكم لهم الحكم النهائي القاطع الذي يرتضيان به ولا يناقشانه بعد ذلك أبدا. ولا اعتراض لي على علم هذا العالم وفضله، ولكني أعترض على أن يحتكر شخص كائناً من كان العلم والفهم والحكمة. مثل هذا نموذج متكرر وسخيف لما أقصده عن الكهنوت الإسلامي المرفوض.
…………………..
 
إن الكهنوت الإسلامي الذي عرضت نماذج منه كارثة أخذت في الاتساع عندما اختفت الرموز الحقيقية للأمة في مختلف التخصصات ولم يجد الناس لهم قدوة إلا في علماء الدين، بعد أن احتكرت السلطة العمل السياسي، وتوارى كل أصحاب الفضل من أصحاب الحكمة والعلم والفضل (أهل الحل والعقد) خوفاً من بطش السلطان.
 
وقد بلغ اتساع نفوذ هؤلاء العلماء (الذين حصل بعضهم على لقب "العلماء الربانيين") إلى حد أنهم أصبحوا مرجعاً لأتباعهم في أدق شئون حياتهم (تماماً كما هو الحال عند المرجعيات الشيعية والطرق الصوفية )… فأصبح لهم رأي في الزواج والطلاق، ونوع العمل، ومحل الإقامة، ومصدر الدخل… إلخ.. ولا يكون هذا على سبيل أخذ الرأي والاستشارة والاستنارة، وإنما على سبيل الحكم القاطع والفتوى الملزمة… فتحول دور العلماء من الدعوة والإرشاد إلى أن أصبح بعضهم: ولي أمر، وقاضياً، وطبيباً، ورجل أعمال، وحاكماً بأمره في شئون أتباعه ومريديه.
 
وقد حان الوقت الآن لمواجهة هذه الظاهرة ومحاربتها في كل مكان وعلى كل المستويات… لما لها آثار في غاية الخطورة منها:
 
1- أنها تقضي على الحاسة النقدية عند الشباب. والأمم لا تحيى ولا تتقدم إلا بوجود هذا الحس النقدي الذي يجتهد فيه كل فرد اجتهاداً شخصياً… ولا يبيع عقله ويسلمه مجاناً لأي أحد، حتى ولو كان أعلم أهل الأرض… لا بأس من الاستعانة بآراء العلماء في القضايا الشرعية… لكن البأس كل البأس من أمرين: إلغاء العقل ومهارة التفكير لصالح آراء بعض "العلماء"، والأخطر إقحام العلماء في قضايا لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
 
2- أنها تفضح جهل بعض الشيوخ وتوقعهم في حرج بالغ. ولا يغيب على أحد أن الطرق التي يتلقى بها العلماء الآن علومهم لا تؤهلهم ليكونوا ملمين أو مطلعين على كل شيء… والحكم على الشيء فرع عن تصوره… لقد قرأت "فتاوى" عجيبة لعلماء تحرم "القومية العربية"، وتحرم "الوجودية"، ودراسة "العلوم السياسية".، واستخدام الإنترنت والفيس بوك، وترى أن المظاهرات بدعة، وأن رفع اللافتات خروج على الحاكم، وأن "تداول السلطة" ضد الإسلام… وأنا لا أعذر أي عالم في هذا التخرص والقول بغير علم في أمور لا يعرفوا عنها أكثر من أسمائها…
 
ولا أفشي سراً ولا أسيء إلى أحد عندما أقول إن الأغلبية الساحقة ممن يسبق أسماءهم لقب "شيخ" ليست لديهم أدنى مقومات الاجتهاد، وهم يجيبون بمنتهى الخفة والاستهانة على أسئلة لو توجهت إلى عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر ليبحثوها… ثم يكونون بعد ذلك من إجابتها على قلق عظيم أصابوا أم أخطأوا.
 
3- أنها تفتن الشيوخ بتحويلهم إلى نجوم. عندما يجد الشيوخ أنفسهم في هذا الموضوع الذي يجعلهم الملاذ وموضع العلم المطلق والحكمة المطلقة والصواب المطلق… يغري هذا بعض الشيوخ فيقعون في الفتنة، ويصيبهم الغرور ويتصورون أنهم فوق النقد والمحاسبة… بل ربما أوقع هذا بعض ضعاف النفوس منهم في أن يتحولوا إلى أبواقاً وأدوات في يد بعض السياسيين أو رجال الأعمال أو أصحاب المصلحة استنادا إلى مكانتهم وإلى التفويض الكامل الممنوح لهم، وفي هذا إساءة كبيرة إلى وضع علماء الدين عند الجماهير، بل إن فيه إساءة لقيمة الدين لدى أتباعه.
 
4- أنها تسيء إلى مفهوم الدين نفسه. وهذا هو أخطر ما في الأمر… وقد نبهتنا ثورة 25 يناير إلى أن عدم قدرة عدد كبير من العلماء على التفاعل بإيجابية مع الحدث، وعلى تقديم التفسيرات والتوضيحات الدينية له، إلى أن الناس في سبيل تحقيق قيمها الإنسانية الأساسية مثل الحرية والعدالة والكرامة يمكن أن تتجاوز الفهم الضيق لبعض العلماء… وعندما يعجز العلماء على تأكيد حقيقة أن "الدين للشعب"… يمضي الشعب في طريقه بعيداً عن الدين… إذا ما وجد أن الدين – بحسب فهم وعرض بعض العلماء له- عاجز عن أن يحقق لهم آمالهم في الحياة التي يستحقونها. وأظن أن مكانة الدين وعلمائه قد تأثرت كثيراً لدى قطاع عريض من الشباب بعد هذه الثورة بسبب ترددهم في تأييدها والوقوف مع الشعب فيها.
………………..
 
إننا نحترم العلماء الذين لهم رصيد من المصداقية لدى الجماهير، والذين بذلوا جهداً صادقاً وملموساً لتجسير الفجوة بين العلوم الشرعية وبين الواقع المعاصر البالغ التعقيد. والذين لم يقفوا بعلمهم عند نقول قديمة، والذين نجحوا في ابتكار لغة دينية جديدة قادرة على استيعاب الماضي وتفهم الحاضر…
 
ونرى أن هناك حاجة ملحة إلى مراجعات عميقة من الكثير من العلماء الذين يريدون أن يحتفظوا بمكانتهم لدى الناس، ليس عن طريق تكريس فكرة الكهنوت، وإنما عن طريق التركيز على فقه المقاصد والمآلات، وعن طريق فتح الطريق لباب الاجتهاد السياسي والتجديد الفقهي، والمشاركة البناءة في إعادة بناء المجتمع، والانتقال السريع من مربع "حراسة الدين" الذي يجيده الكثير من العلماء إلى مربع "سياسة الدنيا بالدين" الذي يحتاج إلى جهد حقيقي وانفتاح كامل على مختلف الثقافات والتجارب الإنسانية المعاصرة.
…………..
Advertisements

lمن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

 

بالضبط هذا هو ما أقصده.

رحيل حسني مبارك وإبطال مشروع التوريث هو الجهاد الأصغر، أما الجهاد الأكبر فهو:
(1) تطهير مصر من جيوب النظام السابق،
و (2) تجهيز الساحة لحياة ديمقراطية رشيدة،
و (3) تعقب مظاهر الفساد ورموزه بداية من الرشاوي والعمولات وحتى الوساطة والمحسوبية في التعيينات،
و (4) بناء اقتصاد ناهض وواعد على أسس أخلاقية وعلمية رصينة،
و (5) إصلاح ما فسد من التعليم والثقافة ليكون قاطرة إلى المستقبل،
و (6) جهاد النفس وتغيير ثقافة الاتكال والكسل والواسطة والتسول والحقد… إلخ.

مئات الآلاف خرجوا إلى الميادين العامة في مصر لمدة ثلاثة أسابيع وقدموا أرواحهم وأجسادهم فداء هذا الوطن… فنجحوا بجسارتهم وصمودهم في إسقاط رأس النظام وإجباره على الرحيل… ولكنهم لو واصلوا الخروج، وقدموا المزيد من الضحايا في الأيام القادمة بنفس الطريقة القديمة فلن يتحقق لهم ما يريدونه من متطلبات المرحلة القادمة حتى يستحقوا لقب "ثورة"، ولا ينتهي الأمر كما هو الان ب "هبة" أو "فورة" أو "انتفاضة".

ما حقق لك النصر في الجهاد الأصغر، لا يصلح بالضرورة لتحقيق النصر في الجهاد الأكبر.
……………

ما نجحت فيه الثورة حتى الآن – وهو ضخم وعظيم بغير شك- هو ضربة موجعة للنظام وزعزعة قوية للتحالفات التي يقوم عليها، ولكنها ليست ضربة مميتة ومجهزة.

ما حدث يذكرني بانتصار الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر، وفيها قتل المسلمون عدداً من رؤوس الكفر في قريش، وأصبح للرسول وللمسلمين كلمة مسموعة في جزيرة العرب كقوة جديدة لا يستهان بها، لكنه لم يمنع الكفار أن يعاودوا التجمع مرة بعد أخرى لسنوات قادمة، حتى كان فتح مكة في العام الثامن من الهجرة. لم يصبح الإسلام دين جزيرة العرب بعد معركة بدر (الفرقان)… ولكن بعدها بسنوات… والأمر اليوم لا يختلف كثيراً عن الأمس.

و البعض يظن أن ما حدث يكفي، وأنه فوق ما كنا نحلم ونتصور. وأنه يجب أن ننسى الماضي ونكف عن نغمة التشفي والانتقام، ونتجه إلى البناء والعمل، وأنه من غير اللائق إهانة الرئيس وتجريحه أكثر من ذلك. وهذا كله صحيح. ولكن علينا أن نلتزم الدقة في مصطلحاتنا. فتعقب الفاسدين ليس تشفياً، وإبعاد الرئيس ليس إهانة، والقضاء على جيوب النظام ليس انتقاماً وإنما حماية لمكاسب الثورة.

وقد رفع البعض شعار "أنا آسف يا ريس"، وتأثر به كثيرون عاطفياُ . ولست مع هذا الشعار. ولا أجد له أي مبرر أو توصيف إلا أنه طيبة مبالغ فيها، أو مكر شديد.

فالرئيس السابق رغم كل ما فعله من خطايا لم يخرج علينا ويقول أنا آسف. أنا أخطأت أنا أعتذر. ولو سألته الآن لأجاب: بأنه كان على حق، وأنه أدرى بمصلحة البلد، وبأن ما يحدث الآن ليس في صالح مصر، وبأنه غير نادم على أي قرار اتخذه، وأن من مات في المظاهرات (حظه وحش، وهو اللي جابه لنفسه)… ولكنه لن يقول: أنني أخطأت في حق شعبي، وأن شعبي على صواب… ولو قال الرئيس: إنني كنت مخطئاً وكان هؤلاء الملايين على صواب، لكان يمكننا أن نسامحه… نسامحه نعم، نأسف له لا. ولكنه لم يفعل ولن يفعل… فهكذا خلق الله الطغاة.

………………..

و لا زلت أعتقد أن شعار العفو هذه الأيام ليس هو الشعار الأنسب. ربما يكون هذا مناسباً بعد عدة شهور أو سنوات… عندما يستسلم المعتدون تماماً ويقرون بالأخطاء والكوارث التي أوقعوا فيها البلاد… وينسحبوا من الحياة السياسية تماماً… أما وهم ممسكون – حتى الآن في يدهم بكل شيء… فلا أفهم هنا كلمة "العفو" إلا بأنها مرادف لخيانة الثورة، وتراجع عن استكمال طريق الإصلاح الشاق والطويل.

وتذكروا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في فتح مكة (وليس بعد غزوة بدر)، وبعد أن دانت له الجزيرة العربية كلها أطلق كلمته الخالدة، "اذهبوا فأنتم الطلقاء"… لكنه قالها لعموم الناس مثلي ومثلك ممن التبسوا بالأخطاء الميسورة من واسطة ومحسوبية ومجاملات… أما من كانوا قادة ومنظرين للفساد، ومن تصدوا لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد طالب الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بملاحقتهم وقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة..

العفو لعموم الناس مطلوب، و فتح الصفحة الجديدة وطي الصفحة القديمة لا ينبغي أن يكون لمن كان عوناً لظالم وبوقاً لفاسد وسوطا في يد جلاد…

والعقاب يجب أن يكون سريعاً وحاسماً لفلول النظام الذي ينتظرون فرصة للانقضاض وإجهاض الثورة وتصفيتها… وكثير من هم.

وعندما تمسك مجرماً سطا على بيتك وانتهك حرمته واعتدى على نسائك وقتل أطفالك… عندما تتمكن منه بعد عناء وتضحيات… فأنت لا تفلته وتقول له: خلاص ها سيبك المرة دي… بس دي آخر مرة… ولا تصدق دموعه… لأنه لو كان صادقاً لعجل بالتوبة قبل الإشراف على الهلاك: "آ الآن وقد عصيت قبل؟!!"
…………..

نعم لم تحقق الثورة أهدافها بعد… بل إن ما حققته على ضخامته وجسامته لا يمثل أكثر من 20% مما هو مطلوب منها…

ولا زالت الحكومة تتصرف بمنطق "القرارات قطعة قطعة"… أو "التنازلات غير المطلوبة وغير الضرورية"… وهو منطق النظام السابق.. الذي للأسف لا زال قائماً وممسكا بالسلطة في أفكاره وكثير من رموزه. تذكروا أن الشباب خرج يهتف الشعب يريد إسقاط النظام… فرد النظام بتغيير وزير الأوقاف وعدد من الوزراء… هذا هو منطق الطغاة… إنكار… ثم تهوين من الشأن (كتب بعضهم ساخراً عصر يوم 25 يناير هي الثورة ها تقوم الساعة كام؟!!) … ثم التنازلات غير الضرورية (قال السيد أحمد شفيق: من الآن فصاعداً سنسمح للناس بحق التظاهر ونهيء لهم مكاناً للتظاهر، وهأ بقى أجيب لهم بونبون) … ثم منطق النمر الجريح الذي يفكر بطريقة علي وعلى أعدائي… (وهو ما رأيناه واضحاً في موقعة الجمل، وفي الأوامر المباشرة بضرب المتظاهرين بالطائرة، ولكن قادة الجيش رفضوا).

من أسبوعين كان هناك رأي غالب، بأن تفويض الرئيس صلاحياته لنائبه يكفي، وما الضرر في أن يكمل الرئيس مدته… وارتفعت شعارات مثل: "ما يصحش" و"تكريم الرئيس" ، و" ليس من ثقافتنا " وغيرها من الأكاذيب والأضاليل… والآن اكتشفنا أن رحيله كان ضرورياً… لأن بقاءه كان يعني المزيد من الغطاء والتعمية والمجاملات لشلة المنتفعين… ويعوق الجدية في عملية الإصلاح الحقيقية وتعقب الفاسدين.

والآن يقول البعض إن الحكومة الحالية جيدة ويمكن تغيير بعض الوزراء لتواصل عملها، والرئيس شفيق شخص محترم وهو أنسب شخص للمرحلة الحالية. ولست مع هذا الرأي… بل أرى أن علينا أن نواصل الضغط لتغيير الحكومة… لأن القاعدة تقول إن الطريقة والأشخاص الذين كانوا جزءاً من المشكلة لا يمكن أن يكونوا – هكذا فجأة – جزءاً من الحل.

و هناك كثيرون متحمسون للفريق أحمد شفيق ويرون أنه شخص مؤهل لقيادة الحكومة من المرحلة القادمة… ولدي أكثر من علامة استفهام حول أداء الحكومة في الفترة السابقة، وأداء السيد أحمد شفيق تحديداً…

وسأغض النظر عن حقيقة ما يتردد من أن زوجة الفريق أحمد شفيق هي السيدة نزيهة الجمال عمة السيدة خديجة الجمال زوجة السيد جمال مبارك… فالحقيقة التي يمكن أن كشفها بسهولة حتى من متابعة إعلانات التعازي في الصحف القومية هي أن معظم الوزراء والمسئولين المصريين يرتبطون بعلاقات نسب ومصاهرة… فزوج ابنة عمر سليمان كان رئيساً للهيئة العامة للاستعلامات وزوج ابنته الأخرى هو ابن رئيس هيئة قناة السويس، و كل من أحمد المغربي وزهير جرانة ومحمد منصور أولاد خالة… وزوجة زكريا عزمي رئيسة تحرير مجلة بالأهرام، والقائمة طويلة جداً… وتحتاج إلى مقال مستقل.

كما سأغض النظر عن أقاويل تتردد يمكن للنائب العام أن يستوثق منها عن علاقته بإبراهيم سليمان الوزير السابق ( للسيد أحمد شفيق ثلاث قصور بالتجمع الخامس بالأمر المباشر من الوزير)، وعلاقته بشركة إيرباص ورحلاته ورحلات مساعديه إلى باريس وعلاقة ذلك بآل مبارك، وعلاقته بإبراهيم كامل رجل الأعمال المتهم بالتورط في موقعة الجمل الشهيرة بالتحرير (قال أحمد شفيق حينها إنه لا يعرف عنها شيئاً، وإنه يجب محاكمة من سمح لهم بالدخول… وليس من أمرهم بالذهاب)، وتعيين ابنة الفنانة غادة عبد الرازق في منصب طيار في مصر للطيران (تذكروا موقف غادة عبد الرازق المعادي للثورة وهل كان ذلك بتكليف من أحد أم مجاملة).

كما أطلب من النائب العام أن يدرس وثائق الأعمال الإنشائية بالمطار الجديد، ويتأكد من صحة ما يتردد من أن هذه الأعمال كانت من نصيب مجدي راسخ حما علاء ميارك، ومحمود الجمال حما جمال مبارك… هذا نموذج أيها الإخوة مما يتردد ولا أعرف مدى صحته عن سمعة الفريق أحمد شفيق الذي كانت أول الكلمات في حقه أنه فوق مستوى الشبهات وأنه رمز للطهارة والنزاهة والشفافية.

ويذكرني هذا بالكلمة الخالدة للسيد زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق الذي قال – ليداري على الكبار ويشتت الأنظار عنه- : "الفساد في المحليات أصبح للركب"… وكان الرجل صادقاً… فهو في المحليات للركب… ولكنه فيما فوق المحليات ليس للركب، ولكن للفم والأنف والعينين… حتى كدنا نغرق في عفنه.
………………….

هل يمكن أن يفسر لي أحد هذه الألغاز المتعلقة بالحكومة الحالية؟

1- الحكومة الحالية قام بتعيينها الرئيس السابق حسني مبارك… وكان المنطقي بعد رحيل الرئيس الذي قام بتعيينها أن تقدم استقالتها أو يقوم المجلس العسكري الحاكم بإقالتها.

2- ما هو الوضع القانوني الآن للسيد عمر سليمان؟ هل هو نائب للرئيس وأي رئيس؟ وهل هو عضو في المجلس العسكري الحاكم؟!

3- كيف يستقيم أن السيد محمد حسين طنطاوي هو وزير الدفاع ويرأسه الفريق أحمد شفيق. وفي نفس الوقت هو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يمثل الرئيس… مين بالضبط رئيس مين؟!!

صدق أو لا تصدق… إبعاد حسني مبارك عن الحكم كان هو الجهاد الأصغر… أما تغيير الحكومة الحالية فهو الجهاد الأكبر…
وسأقول لك سبباً واحداً لهذا… وهو أن إبعاد حسني مبارك كان محل موافقة من كثيرين… ولذلك كان الحماس له كبيراً… أما الآن فالقوة الدافعة خفتت… والرغبة في استكمال التغيير لآخره ضعفت… لذلك أصبح تغيير حكومة أحمد شفيق (الممثلة الآن لسياسات النظام السابق) هو الجهاد الأكبر .

…………….

هل يمكن أن يشرح أحدهم لي، إذا كانت الثورة قد نجحت وحققت أهدافها، وعلينا أن نستكمل الحياة وننسى الماضي… هل يمكن أن تشرحوا لي:

– لماذا يحاكم حبيب العادلي بتهمة التربح المالي، ولم يتم حتى الآن توجيه الاتهام له بتهمة الخيانة العظمى وإعطاء الأوامر بقتل المتظاهرين؟!! وتهمته عن مسئوليته عن أحداث كنيسة القديسين وهي تهمة موثقة بالصوت والصورة حسب ما جاء من السفارة البريطانية في القاهرة. وكان حبيب لاعادلي قد هدد بفضح كل المسئولين… ولذلك فإن حياته الآن في خطر … إذ يمكن لأقواله في التحقيقات أن تفضح الكثيرين ممن هم الآن في الحكم والسلطة … وتثير الجماهير أكثر مما هي ثائرة.

– لماذا لم يتم الإفراج حتى الآن عن عبود الزمر المتهم بقتل السادات والذي كان من الواجب الإفراج عنه قبل أكثر من خمس سنوات، وهل صحيح أن لديه معلومات تدين الرئيس السابق حسني مبارك في هذه العملية؟!!

– هل يعقل – بعد نجاح الثورة – أن ينعم الرئيس السابق بالإقامة في شرم الشيخ في رعاية متكاملة، ويظل المهندس خيرت الشاطر في السجن رهن الاعتقال على تهمة ملفقة.

– أين هم السادة صفوت الشريف وفتحي سرور وزكريا عزمي، وإبراهيم كامل وجمال مبارك ولماذا لم يتم تحويلهم للتحقيق والتحفظ على أموالهم كما تم مع غيرهم. من يحميهم ويدافع عنهم؟!! وماذا يفعلون الآن؟ وما حقيقة الاجتماعات السرية التي يعقدونها؟!!

– ما هو مستقبل جهاز مباحث أمن الدولة؟!! الذي أصبح دولة داخل الدولة وعمل لسنوات لخدمة النظام وتدخل في كل شيء من تعيين المعيدين حتى تعيين موظفي الإذاعة والتليفزيون والقضاء والشرطة والعمد ورؤساء الجامعات.

– لماذا المماطلة في الإفراج عن المعتقلين السياسيين خاصة الإسلاميين؟!! وهل هم أكثر خطراً على الأمن العام من المساجين الذين تم تهريبهم عمداً من السجون والسماح لهم بامتلاك الأسلحة؟!!

– ما هو مصير الحزب الوطني وقياداته وقواعده ومقاره التي وضع يده عليها دون وجه حق… ومتى تعود لأصحابها؟!!

– ما معنى بقاء رؤساء المؤسسات الصحفية الحكومية في مناصبهم حتى الآن رغم أنهم كانوا أبواقاً كاذبة للنظام السابق… هناك جهاز للكسب المشروع… ولكن للأسف ليس هناك جهاز للكذب غير المشروع.

لا تقل لي هذا سيحدث مع الوقت….
فكم من الوقت نحتاج ليحدث هذا….

لو كانت هناك جدية…. فهذا القرارات كلها لا تستغرق يوماً أو بعض يوم… ولكنها الإرادة السياسية المترددة والمماطلة والمجاملة، والتي لا تريد أن تحرق كل الأوراق مرة واحدة… لأنها تفكر في العودة بعد تنظيم الصفوف.

………………
لا نجوت إن نجا…

ينبغي أن يكون هذا شعار المرحلة القادمة… لأنه من الواضح أن الثورة المضادة تستعد للانقضاض مع أول فرصة للتراخي أو التراجع…

وهناك العديد من شواهد استعداد الثورة المضادة للانقضاض… فبقاء الرئيس ونجله في مصر هو استعداد للانقضاض في أقرب فرصة… والمظاهرات الفئوية تتم بتوجيه من بعض أعضاء النظام السابق لتخريب مكاسب الثورة والإيحاء للناس بأن الوضع السابق أفضل، وبقاء الحكومة الحالية برموزها القديمة والإصرار على بعض الوجوه الكريهة لأطول فرصة هو محاولة لاستجماع الطاقة وتنظيم الصفوف.

والأخطر من ذلك هو بث روح الفرقة والاختلاف بين صفوف القائمين على الثورة بإثارة قضايا خلافية وليست في صميم أهداف الثورة مثل مناقشة المادة الثانية من الدستور، أو دعوة الشباب لإنشاء حزب سياسي، أو التشكيك في بعض قيادتها ورموزها مثل البرادعي ووائل غنيم، أو الدعوة لأساطير وخرافات عن المؤامرات الداخلية والخارجية وإلباسها ثوب الدين حتى يقع الناس في الجدل وينشغلوا عن الأولويات الملحة بالقضايا الجدلية.

سأنقل لكم بعضاً مما كتبه الحكيم الصيني القديم، المعلم سون… في كتابه فن الحرب… وكنت قد نشرته على الفيس بوك في بدايات الثورة عندما كانت هناك محاولات عديدة للتراخي والتراجع والاكتفاء بالمظاهرات والحوار مع السيد عمر سليمان… خلاصة ما يقوله السيد سون… هو إما أن تتم عملك حتى النهاية… وإما أن تصيح كأنك يا أبو زيد ما غزيت….

يقول المعلم سون:
ليس كل تمهل حكمة، وليس كل اندفاع رعونة..
حاذر من التمهل الذي يصيب الجنود بالخمول والكسل.
إذا كان النصر ممكناً ، فالتسرع الأحمق – بلا شك- أفضل من التأني الحكيم.
ليكن هجومك كالسيل العارم الذي يجرف في طريقه أقصى الصخور.
اهجم كالصقر… بدقة وسرعة… شل العدو، ودمر مراكز القرار والتأثير.

النصر الساحق ليس في التدمير الساحق، وإنما في كسر إرادة العدو دون أي قتال.

ليكن هدفك: قهر العدو دون أي قتال، فتح المدن دون حصار، إسقاط النظم الحاكمة دون إيذاء المدنيين.

الجيش المنتصر في الميزان صخرة ضخمة والمنهزم –في الكفة الأخرى – حبة فول.
لتندفع قواتك كالشلال من الأعالي إلى الأعماق السحيقة.
اسحق عدوك كما يسحق الحجر الصلد بيضة عصفور.
……………….

نعم أيها الإخوة…
عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر…
لا ينفع في الجهاد الأكبر الهتاف والتظاهر…
إنما وحدة الصف، والالتحام، والتركيز على الهدف…
الشعب يريد تطهير البلاد.
…………..
…………
…….

مصر ما بعد مبارك: فترة انتقالية

 

 لن يتحمل المجلس العسكري الحاكم شئون الحياة اليومية للمصريين لفترة طويلة…

ورغم أنه أعلن أنه سيعمل على أن ينتهي من مهامه خلال 6 أشهر… إلا أن هذه الشهور الستة كثيرة جداً على الجيش.. الذي لم يتعود أن يعمل وسط هذا الإيقاع السريع، كما أنه لن يتحمل الانتقادات التي ستبدأ في الظهور لتباطئه أو لعدم استجابته لكافة مطالب الشباب… والخلفية العسكرية لقادته ستجعلهم أقل احتمالاً لفكرة الحوار المفتوح والمطالب المتعددة.. والشكاوى المستمرة. ,أخشى ما أخشاه أن يبدأ ويضيق بالانفتاح الإعلامي، والعصبية السياسية، والحماس الشبابي، والاعتصامات العمالية.

ومن جهة أخرى فإن فترة 6 أشهر هي فترة محدودة للغاية حتى يمكن إنشاء مجتمع ديموقراطي حقيقي تستعيد فيه الأحزاب توازنها، وترتب الحركات الشبابية الاحتجاجية نفسها ضمن عمل مؤسسي، ويحسم الإخوان الملسمون أمرهم بشأن إنشاء حزب سياسي وطبيعة المشاركة في الفترة القادمة، والأهم من ذلك يبدأ الشعب في استيعاب التغيير ويتكيف معه وتعود الحياة لطبيعتها.

ولذلك أقترح أن يسارع الجيش بإنشاء أربع مؤسسات انتقالية تعمل لمدة سنة على الأقل لإتمام المهام المطلوبة، وتعطينا فرصة لالتقاط الأنفاس، ويتوزع عليها الجهد بدلاُ من أن يقوم به الجيش وحده وهو غير مؤهل لأداء هذا الدور… وهي:

1- مجلس رئاسي انتقالي… من ثلاثة أشخاص أو خمسة أشخاص منهم شخص عسكري والباقي مدنيون وتكون مهمته وضع الخطوط العريضة للتحرك في المرحلة القادمة. ويقوم بالمهمة التي يقوم بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة حالياً. أي كما فوض الرئيس السابق سلطاته للجيش، يوقم الجيش بتفويض هذه السلطات إلى هذا المجلي الانتقالي.

2- حكومة إنتقالية… مصغرة وغير حزبية ومن أصحاب الكفاءات لإدارة العمل وتسيير الحياة اليومية، وتكون لها خمس مهام رئيسية: الأمن – التنمية الاقتصادية – الخدمات- . ويكون عدد أعضائها على الأكثر 20 وزيراً… ويتم تمثيل الشباب فيها.

3- برلمان إنتقالي… مصغر ويكون من 100 عضو… يتم اختيارهم من خلال انتخابات داخلية داخل كل مجموعة من المجموعات الممثلة للقوى السياسية والوطنية الحالية على النحو التالي: 20 من التكنوقراط وغير الحزبيين والأقباط – 20 من رمزو الاعتدال في الحزب الوطني غير المتورطين في شبهات فساد – 20 من أحزاب المعارضة الحالية – 20 من الإسلاميين من التيارات الإسلامية المختلفة مثل الإخوان والسلفيين والجماعات الإسلامية… ويكون دور هذا البرلمان المصغر تمرير القوانين العاجلة، ومتابعة أداء الحكومة، وتلبية الاحتياجات العاجلة للجماهير.

4- لجنة قصائية انتقالية… وتكون مهمتها الأساسية مناقشة التعديلات الدستورية العاجلة- متابعة التحقيق في قضايا الفساد ونهب المال العام وإصدار الأحكام بشأنها – الإعداد للاستقلال القضائي الكامل… وتعمل هذه اللجنة بعيداً عن الحكومة الانتقالية، وبالتنسيق والتعاون مع المجلس الرئاسي والبرلمان الانتقالي. ولا يتعارض عمل هذه اللجنة مع المؤسسات القضئاية الحالية، ويمكن أن تكون برئاسة النائب العام أو رئيس محكمة النقض.

وتقوم هذه الجهات الأربع كل فيما يخصه، بتأهيل البلاد وتسيير العمل والإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة. دون أن يكون سيف الاستحقاق الرئاسي القادم في سبتمبر مسلطاً علينا… فمع سقوط النظام السابق وتعطيل العمل يالدستور وحل البرلمان… تغير كل شيء… فلماذا نبقي مع هذا التغيير الهائل على موعد الانتخابات الرئاسية القادم دون تغيير.

في حالة تشكيل هذه الجهات الانتقالية بطريقة تحظى على قبول جماهيري عريض، ونجاح كل منها في أداء الدور المنوط به، فليس هناك وجه للتعجل في فترة "السيولة" التي تغلف الحياة السياسية في مصر الآن لإقامة الالانتخابات الرئاسية أو التشريعية.

وإذا تمت هذه الانتخابات على عجل ودون إعداد للمجتمع فأفضل الظن أنها لن تفرز أفضل العناصر. وإذا كان هناك وجه للعجلة في إجرائها، فلتتم على نحو مؤقت… بمعنى أن فترة الرئاسة القادم تكون – استثناء- لمدة عامين، وكذلك مجلسي الشعب والشوري… إذا كانت هناك حاجة أصلاً لإبقاء مجلس الشورى لزوماً للوجاهة الاجتماعية.

أما الدستور الجديد، فلا يمكن البدء في إعداده أو التفكير فيه الآن، وإنما بعد أن تستقر الأوضاع… ويكفي الآن الاكتفاء بالمواد العاجلة اللازمة لإزالة الاحتقان وإبداء حسن النوايا… وهي المواد التي تعمل على دراستها اللجنة الحالية.
………….

مجرد فكرة للتأمل…

وقد يكون هناك ما هو أفضل منها لتحقيق مطالب الثورة…
المهم ألا نبقى كثيراً في هذا الوضع الذي يشبه حالة اللاسلم واللاحرب…
أو اللا ثورة… واللااستقرار.

مصر ما بعد مبارك: تساؤلات الهوية والانتماء

 

(نشر هذا المقال لأول مرة في فبراير 2007 تعقيباً على النقاش السائر حينها عن التعديلات الدستورية، وأعيد اليوم نشره مع تعديلات طفيفة تناسب الظرف الراهن.

وأرى أن أهم ما تواجهه مصر فيما مرحلة (م.ب.م) أو ما بعد مبارك هو إعادة اكتشاف الهوية التي مسخها النظام السابق، وتحول معها المصريون إلى مجموعة أفراد لا يربطهم رابط ولا تجمعهم ثقافة مشتركة وهم واحد).

……………

يبدو أن مناقشات الأسابيع القادمة حول التعديلات الدستورية المقترحة ستكشف عن أزمة هوية تعاني منها مصر أو يشعر بها بعض المصريين تجاه تحديد أولوية انتماءاتهم وفق الدوائر الثلاث: المصرية والعربية والإسلامية.

وحال بحثي عن قضية الهوية نبهني بعضهم إلى تفاوت دقيق في تعبير كل دولة عن هويتها. فهناك: "الجمهورية العربية السورية" التي تبرز الهوية العربية قبل الهوية الوطنية، بينما أعلنت "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" عن إسلاميتها قبل أي انتماء آخر ، على عكس " جمهورية باكستان الإسلامية" التي رغبت في إبراز تمايزها الوطني عن الهند قبل أن تعلن عن إسلاميته، أما "الجمهورية اللبنانية" فقد تغلبت على التنوع الثقافي والمذهبي بين مواطنيها فحذت حذو فرنسا، واستبعدت من اسمها أية دلالة على تفضيل انتماء بذاته على انتماء آخر. قد تكون هذه مجرد ملاحظات هامشية لا تحمل قيمة علمية لكن قيمتها الدلالية لا تخفى.

وفي الحالة المصرية فإن الدوائر الثلاث (مصرية- عروبة- إسلام) ستظل قائمة وماثلة في جينات كل مصري –بما فيهم الأقباط، حتى لو تفاوت الأفراد في التعبير عنها والالتزام بها.
……………

و بالرغم من أن المادة الثانية من الدستور ليست مطروحة الآن على نطاق البحث والتعديل إلا أن تشكيل اللجنة الجديدة لتعديل الدستور، وتولي المستشار البشري رئاستها وهو المعروف في الدوائر الغربية بأنه (قاض إسلامي)، وانضمام الأستاذ صبحي صالح المحامي الإخواني لها أثار الكثير من التساؤلات حول هذا التشكيل.

وفي رأيي أن هذه اللجنة – بخلاف اللجنة التي شكلها الرئيس مبارك قبل تنحيه- قد راعت البعد السياسي بخلاف اللجنة السابقة التي راعت البعد القانوني فحسب. ففي أعضائها الدكتور عاطف البنا وهو وفدي، وصبحي صالح وهو هنا يحضر تأكيداً لإعلان القطيعة مع النظام السابق فقد تم إسقاطه عمداً أمام عبد السلام المحجوب (المحافظ والضابط البارز سابقا في المخابرات المصرية)، فضلاً عن أنه محامي الشهيد سيد بلال الذي استشهد على يد زبانية وزارة الداخلية. إذن فالرسالة السياسية واضحة في التشكيل…

وقد عاب عليها البعض عدم وجود مسيحيين من أعضائها تأكيداً لحسن تمثيلها للمجتمع المدني… وهو أمر أظنه فات المجلس العسكري، ولم يقصده أو يتعمده. ويمكن معالجته لاحقاً.
………….

أنا واحد من ملايين المصريين الذين أبدوا عدم ارتياحهم للمطالبات التي نادت بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة وأن مباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

واعتبر بعض الإسلاميين أن مجرد هذا الطرح هو نوع من العمالة للأجنبي و الاستعداء بالخارج على ثوابت الأمة. والحق أنني لست مع هذا الاتهام. فهذا هو وقت يجب أن نستمع فيه لكل الآراء بغير تعصب أو تخوين.

وأعتقد أنه من حق الإخوة الأقباط أن يعلنوا عن رأيهم بصراحة، وعن تخوفاتهم بصدق… لأنهم شركاء أصليون في هذا البلد. والمفترض في الدستور الجديد أن يعبر عن توافق يرضى عنه الجميع، ولا يصد عن قهر وإذعان يفرض فيه أحد الطرفين رأيه بالقوة والغصب، لأن خروج الدستور بهذه الطريقة لا يوفر للدولة الأمن والسلام الذي تنشده لتبدأ في تعويض ما فات اقتصادياً واجتماعياً.

وبنفس المنطق الذي يوجب علينا أن نسمع لمخاوف الأقباط ومطالبهم، فيجب علينا أن نصغي لآراء السلفيين والإخوان والجماعات الإسلامية، ولا نستبعدهم من النقاش. وقد صرح عيود الزمر قبل سنوات أنه لا أمل في مصر دون قضاء عادل و حكم إسلامي فكان مثل هذا التصريح مبرراً لاستمرار اعتقاله. وقد حان الوقت للإفراج عن كل المعتقلين الإسلاميين دون حرج أو تخوين.

و في هذا الفترة الدقيقة فليس من اللائق أن يتم الحجر على أي فرد أو تيار سياسي وجد أنها فرصة لأن يطرح على مائدة البحث أحد المواد الدستورية – كنسبة العمال والفلاحين في المجلس النيابي مثلاً- ويتناولها بالتحليل والاعتراض. حتى ولو بدت آراؤهم للبعض مغرقة في التطرف تجاه هذا الجانب أو ذاك.

لا حجر مسبقاً على الرأي… أما ما سينتهي إليه الرأي في النهاية فهو ما سيتوافق عليه الجميع… ولا أظن أن المصريين سوف يتوافقون على شيء يخالف دينهم وثقافتهم وإتناءهم العربي والإسلامي.

………….
ولا أدري أي خبيث هذا الذي تبنى حملة جمع مليون توقيع يطالبون بإلغاء المادة الثانية، فرد عليه آخرون بالإعلان عن حملة لجمع 10 ملايين توقيع للإبقاء عليها. وكلا الفريقين عابث.

ولو كانت لدينا هذه القدرة على جمع التوقيعات، فلماذا لا نجمعها استنكاراً لهدم الأقصى الشريف، أو لرفع الحصار عن الفلسطينيين، أو لإيصال المياه النقية إلى حنفيات المصريين.

و أي ضير في بقاء مادة تمثل استجابة حقيقية لأشواق جموع المصريين في الاحتكام إلى مرجعية سماوية تعنى بتنظيم حياة الناس دون أن تضيق عليهم أو توقعهم في حرج "ما جعل عليكم في الدين من حرج". ناهيك عن أن المادة شأنها شأن العديد من المواد الجيدة في الدستور المصري – مثل التعددية الحزبية وحقوق المواطنين – منصوص عليها مع إيقاف التنفيذ.

وقد اطلعت على ما قدمه طالبو الحذف من حجج، ووجدتها إما مبنية على جهل بمباديء الشريعة، أو متحفظة على فكرة الاحتكام إلى غير ما انتهت إليه الممارسات السياسية المعاصرة، أو متخوفة من إساءة استغلال الدين من قبل بعض جماعات الإسلام السياسي. و هذه الشكوك المشروعة يزيلها الحوار وكشف الشبهات وتوضيح مواطن اللبس، وحسن الإنصات المتبادل، وليس القفز إلى التصادم مع جماهير عريضة من المتدينين بالفطرة والوراثة.

يقول بعض المنادين بإلغاء هذه المادة: أية شريعة تريدون الاحتكام إليها: شريعة السعودية أم إيران أم السودان؟ وأقول: نريد الاحتكام إلى الشريعة التي تدرس في كليات الحقوق المصرية والعريبة… دعك من الكليات التي تدرس المواد الشرعية.

إن أحداً لم يسخر من الاشتراكية حين اختلف تطبيقها في الصين وروسيا وأسبانيا وفنزويلا، رغم أن كل تطبيق كان مدموغاً بالتجربة الخاصة لكل منها.

كما أن السؤال الاستنكاري الساخر:أي إسلام تريدون؟ هو نفسه دليل البراءة. ذلك أن الثراء والتنوع الذي يحمله التراث الفقهي، يجعل اختيار القائمين على الحكم لأحد الآراء أو الأحكام أو المذاهب من بين مجموعة من الآراء المتباينة الرؤى في ظل غياب معايير دينية صريحة للترجيح بين هذه الآراء، هو اختيار مدني وسياسي وليس دينياً، وهو ما يعرف في الفقه باسم "المصلحة" أو باسم "العرف" حسب نطاق التطبيق.
……………

و سيذوب كثير من الاحتقان إذا قبل المجتمع المدني الأحزاب ذات المرجعية الدينية ضمن نسيجه الشرعي، لكن هذا متوقف على قبول جموع التيارات الإسلامية لفكرة الدولة المدنية بشكلها وآلياتها الحديثة.

وفي الساحة عدد من الحركات الإسلامية التي قبلت فكرة الدولة الحديثة بشكل مطلق، ولكن معظمها يجاهر بالإعلان بأن إيمانه بالدولة الحديثة ينطلق من ضغوط الواقع، ويستند إلى "فقه الضرورة"، بمعنى أنه قبول تكتيكي وليس خياراً استراتيجياً، الأمر الذي يعطي الفرصة للحكومة لتشكك في مصداقيته، وتحاسبه على نواياه.

ومن المؤسف كما يقول الأستاذ فهمي هويدي: أن تستمر محاكمة التيار الإسلامي بسبب أحداث عنف وقعت قبل 60 أو 50 عاما وتبرأوا منها وأنكروها وتم تجاوزها بعد ذلك، بينما اتخذ قرار السلام مع إسرائيل بعد 6 سنوات من آخر حرب بيننا وبينهم. ولا أدري أي منطق هذا الذي يسوغ أن يكون تطبيع العلاقات مع العدو أيسر من تطبيع العلاقات بين السلطة والتيار الإسلامي.

………………
ويبقى دور الفقهاء أو العلماء في الدولة محلاً لتساؤل هام هو: لمن تكون الكلمة الأخيرة؟ للسياسي أم للفقيه؟ لمن اختاره الناس عبر صندوق الانتخاب أم لمن تفرغ لدراسة أصول الفقه والسياسة الشرعية فكان –نظرياً- أقرب لفهم مراد الله؟

وقد صدرت مبادرات للتوضيح من بعض رموز الحركات الإسلامية لكنها غير كافية ويفتقر معظمها إلى الرصانة العلمية والتأصيل العميق. كما أن هناك عشرات الرسائل العلمية في هذا الموضوع، لكنها لم تخرج عن النطاق الأكاديمي، وقد اتسم بعضها بحياد بارد وكأن الموضوع عن أثر عقيدة وشريعة محلية في قبيلة مغمورة، بينما حرم الحماس كثيراً من رسائل جامعة الأزهر من فضيلة الجدل الأكاديمي الذي كما يبشر بالإيجابيات يستعرض السلبيات والعوائق,

……………..

ونحن مع من يقول بفصل الإسلام عن الدولة، لا بمعنى إقصاء الإسلام عن السياسة العامة والتشريع القانوني، والتوجيه الاجتماعي، فذلك شبه مستحيل حتى لو أردناه، فضلاً عن أنه لا يقول عاقل إن تنازلاً مجانياً عن هويتنا سيجعلنا أفضل في عالم يترصدنا من أجل هذه الهوية، حتى لو كانت ناقصة وممسوخة.

المقصود بفصل الإسلام عن الدولة – في رأيي- أمران جوهريان:

الأول: أن تحظى المعاهد ومراكز الأبحاث الدينية باستقلال تام –مالي وإداري ومنهجي- عن النظام السياسي القائم، بحيث يتوفر لها أن تقدم الرأي الديني بعيداً عن الترهيب والترغيب.

والثاني: أن يتحمل الحاكم مسئوليته السياسية الكاملة عن قراراته التي يتخذها وتوجهاته التي يتبناها، سواء وافقت ما انتهى إليه اجتهاد علماء الدين – أو بعضهم- أو حتى خالفت الإجماع الذي جرى عليه العمل لقرون، لمصلحة رآها الحاكم ومررها بالطرق السياسية المشروعة.

وليس للعلماء سلطة المنع والمنح، وإنما واجب الإعلان والتنبيه.

ولا يجوز لعالم أن يعزل حاكماً، ولا لحاكم أن يحبس عالماً،

والحاكم هو المسئول الأول والأخير أمام الله وأمام الشعب عن قراراته، والمجلس التشريعي مسئول أمام الله وأمام الشعب عن القوانين التي تصدر عنه، والآليات السياسية التي تتفق عليها جموع الأمة –وفي القلب منها تداول السلطة- هي وحدها التي تحاسب الحاكم، بالتجديد له أو إسقاطه أو حتى عزله إذا اقتضى الأمر.

و هذا الفصل الواضح بين الأدوار، والمعضد بفصل مواز بين السلطات، يحجب أية قداسة عن القوانين أو التشريعات أو السياسات التي تنتهجها الدولة بزعم أنها تعبير صادق عن الإسلام الصحيح، وينفي عن الدولة شبهة أنها دولة ثيوقراطية كما هو نظام الحكم في إيران مثلاًً.

والأهم أنه لا يحجب هذه القداسة والتوقير عن القوانين فقط، وإنما يحجبها أيضاً عن المجموعة الحاكمة -أيا كان شكل الحكم- لأنها وفق هذا التصور تقوم بوظيفة اسمها الحكم ولا تمثل الله في الأرض ولا تحكم باسمه.

وعندها لن يتوقف كثيرون أمام شكل الجمهورية هل هي جمهورية برلمانية وهو الاختيار المفضل الآن لجموع المصريين لما فيه من تقليص واضح لسلطات الرئيس تحميه – قبل أن تحمي الشعب – من التعسف في استخدام السلطة.

كما لن يتوقف أحد أمام الاسم الرسمي الجديد لمصر حين يختارون بين بدائل من مثل: "جمهورية مصر العربية" أو "الجهورية الإسلامية المصرية" أو حتى "المملكة المصرية".
……………….
………..
……

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

البشري والمادة الثانية من الدستور

 


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

تم اختيار المستشار طارق البشري لرئاسة اللجنة المشكلة لتعديل الدستور… ويلاحظ أن هذه اللجنة لا تضم أي عضو من أعضاء اللجنة السابقة التي شكلها الرئيس السابق قبل التنحي… وهذه مفارقة غريبة… وإن كنت لا أظن أن ما ستنتهي إليه اللجنة الجديدة سوف يختلف كثيراً عن اللجنة القديمة.
…………..

للمستشار طارق البشري رأي حاسم وواضح بخصوص المادة الثانية من الدستور، وهي أنها "فوق الدساتير"، وغير قابلة للنقاش أصلاً… ولهذا يتعرض الرجل لهجوم حاد من الأقباط ويتهمونه بأنه سيحول مصر إلى دولة دينية. (وكأن مصر الآن بلا دين).

وقد تشكلت على الفيس بوك مجموعات كثيرة للدفاع عن المادة الثانية من الدستور … ولا أعتقد أنه يمكن أن يجرؤ أحد على المساس بها…
………………
وقد شغب البعض على أن النص على المواطنة في الدستور يتعارض مع المادة الثانية، ولذلك طالبوا بإلغائها والاكتفاء بالمواطنة.

وهذا هو نص ما كتبه المستشار طارق البشري عام 2007 أثناء مناقشة تعديلات الدستور السابقة عن المادة الثانية… وكما يتضح للجميع… فهذه المادة ليست فقط خطاً أحمر… وإنما المساس بها أو التفكير فيها سيؤدي بالبلد إلى الهاوية.

اهدأوا بالاً… فإسلامية مصر ليست قابلة للنقاش… وهي محفوظة بحفظ الله لها، والله خير الحافظين.
……………

قال المستشار البشري:

هذا الحديث يتوجه في الأساس إلى المواطنين الذين تُهمهم مسألة التحقق الأمثل للمساواة بين المواطنين في عيشهم المشترك‏، وإن اختلفت أديانهم‏.‏ وهو ليس موجّهًا في الأساس إلى من يتخذون موقف المعارضة الفكرية لدخول الشأن الديني في شئون الحياة الدنيوية‏ نظمًا ومعاملات‏.‏

المادة الثانية تحقق المساواة
في تصوري أن المادة ‏2‏ من الدستور الحالي لازمة بصيغتها الحاضرة لتحقِّق الإسناد الشرعي الإسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين في تولي الوظائف العامة، والمشاركة الكاملة في ممارسة الولايات العامة ، وفي تولي المناصب ذات الشأن العام‏ في قيادات الأعمال والقضاء والإدارة وغير ذلك‏.

وتنص المادة ‏2‏ من الدستور على أن‏:‏ الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‏.‏ وهذا النص الوارد في صدر أحكام الدستور يستفاد منه أنه يشكل مرجعية إسلامية لكل المبادئ الواردة بالدستور المتعلقة بالمساواة وبحقوق المواطنين وغير ذلك‏.‏

وإن مبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاة من أحكام الشرع الإسلامي بموجب المادة ‏2‏ هذه‏، وهو يستبعد أي زعم بأن مبدأ المساواة بين المواطنين متعارض مع الشرع الإسلامي، وأنه مبدأ لا يمليه إلا الفكر الوضعي المنفصل عن الدين‏، ومن ثم فهو يقيم بناء المواطنة بعيدًا عن التوترات العقيدية‏.‏

ونحن نريد أن يتداخل بعضنا في بعض، لا أن ينفصل بعضنا عن بعض، ومما يهيئ لهذا التداخل أن تتداخل المفاهيم الطيبة بعضها في بعض، مثل: الدين والمواطنة، لا أن تتصارع ويقف بعضها دون بعض‏.‏

ومن جهة أخرى، فإن فكرة المساواة بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في بلادنا كانت متحققة في غالب الفقه الإسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة والفردية، بموجب أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، إنما كانت تقوم المشكلة في الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالولايات العامة، أي الحق في تولي مناصب الدولة في الوظائف القيادية ذات القرار، سواء في القضاء أو الإدارة أو غيرهما، وهذه ما كانت تحتاج إلى اجتهاد فقهي يوطئ من أكنافها في إطار المواطنة، وما انبعث في مجتمعاتنا الحديثة من تكوينات سياسية أنشأتها حركات الاستقلال الوطني والمقاومة الوطنية التي تشارك فيها المسلمون والمسيحيون من أهالي بلادنا‏.‏ فحق للجميع أن يقيموا جماعاتهم السياسية طبقًا لهذا المفهوم، وأن يجتهدوا في البحث عن إمكانيات الفقه الإسلامي في هذا الشأن، مستقًى من مرجعيته الشرعية ومطبقا على الواقع المعيش‏.‏

ويقوم الاجتهاد الفقهي في هذا الشأن على أن مناصب الولاية العامة التي كان الفقه الإسلامي التقليدي يشترط فيمن يتولاها أن يكون مسلمًا، هذه المناصب لم تعد الوظائف التي تتولاها بيد أشخاص ولا أفراد كما كان الشأن قديمًا، إنما صارت إلى هيئات جماعية‏.‏ وذلك بفعل تطور أساليب الإدارة وتقسيم العمل وتوزيعه وحلول القرارات الجماعية محل القرارات الفردية، فمن يدير أي شأن لم يعد فردا واحدا، إنما صار هيئة وإدارات، ومن يحكم في الدعوى ليس قاضيا فردا إلا فيما قل شأنه، إنما صار هيئة من ثلاثة قضاة أو خمسة مثلا، ومن يصدر التشريع ليس فردا إنما مجلس يتكون من مئات الأفراد يجتمعون ويصوتون، ويؤخذ القرار بالأغلبية، وينسب إلى الهيئة كلها لا لأشخاص من أيدوه‏..‏ وهكذا‏.‏

وصار الأفراد الذين تتكون منهم أية هيئة من هذه الهيئات هم مجرد مشاركين في الرأي‏.‏ والمعروف أن الفقه التقليدي يقبل أن يكون غير المسلمين مشاركين في الرأي،‏ وقد صار الجميع كذلك مسلمين وغير مسلمين‏.‏

بهذا النظر تبقى مسألة واحدة من ناحية الفقه الإسلامي، وهي: هل يكون للهيئة دين كما أن للأفراد دينا؟‏ وكيف يتأتى للهيئة أن تمارس دينها‏؟

والحال أن الأفراد يمارسونه بذكر الشهادتين وإقامة العبادات والانصياع لأوامر الدين ونواهيه‏.‏ وهنا نجد الإبداع الفكري والفقهي الذي قام به الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق للديار المصرية، عندما اقترح على لجنة إعداد الدستور المصري لسنة ‏1923‏ بأن ينص فيه على أن دين الدولة هو الإسلام‏.‏ وأقر بذلك معه أهل جيله كله من الفقهاء بأن يكون للهيئة دين، وأن الدين ليس من خصائص الإنسان فقط، إنما يمكن أن يكون للهيئات التي تنظم أمور البشر وتدير شئونهم وتتكون منهم‏.‏

ما دام ذلك كذلك، فكيف يكون للهيئة دين، وهي بوصفها المعنوي لا تصلي ولا تصوم‏…‏ إلخ؟ الجواب على ذلك بأن دين الهيئة هو مرجعيتها، وهو الأصل المرجوع إليه فيما يصدر عنها من نشاط، ومدى التزامها بهذا الأصل بحسبانه موردا لها‏.‏ وما دامت الهيئة مرجعيتها إسلامية فقد صارت الولاية بها إسلامية في الفقه الإسلامي، وإن تشارك فيها مسلمون وغير مسلمين‏.‏

بهذه الطريقة تكون المادة ‏2‏ من الدستور لازمة بنصها الحالي وبصيغتها هذه لكي يقوم السياق النظري من داخل الفقه الإسلامي بما يحقق المساواة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين في المشاركة واتخاذ القرارات في شأن الولايات العامة‏

.‏ وما دامت نصوص الدستور -مع تأكيدها على إسلامية الدولة- قد أكدت أيضا على حقوق المساواة بين المواطنين جميعا، فهي تكون اعتمدت -من وجوه النظر المختلفة في الفقه الإسلامي‏-‏ وجهة النظر المؤكدة على المساواة بين المواطنين، مع الإقرار بأنه نظر يسعه الفقه الإسلامي، ولا يشوب دين الدولة ومصدريتها التشريعية‏.‏

وبذلك فإن المساس بنص المادة‏ 2‏ من الدستور هو مما يفقد هذا التسلسل المنطقي النظري معناه، وسيضيق كثيرا من القدرة على أن يستمد من داخل الفقه الإسلامي الأساس الداعم للمساواة والمشاركة بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا‏.

لذلك أرجو من الحريصين على تأكيد مبدأ المساواة أن ندعمه بكل الإمكانات الفكرية، وأن نقيمه لدى المؤمنين بالإسلام على أسس تصدر من مرجعيتهم،‏ وأن المساواة تؤدي إلى الاندماج، أما من كان يقصد من تعديل هذه المادة إضعاف إسلامية الدولة، فإن نص المادة الثانية المذكورة هو كاشف عن واقع استتباب الإسلام لدى المسلمين في مصر وليس منشئا له طبعا‏.‏ ولن يغير التعديل واقعا، ولكن يثير حفيظة ويعمق جرحا، ويقيم تناقضا على المدى الطويل، تناقضا ليس بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، ولكنه تناقض بين مبدأ المرجعية الإسلامية ومبدأ اللادينية السياسية‏.‏

أصل المادة الثانية ومنشؤها

من أين ظهرت المادة ‏2‏ من الدستور؟

‏ إن أصلها الدستوري يرد من المادة ‏149‏ من دستور مصر في سنة ‏1923‏ الذي استمر معمولا به حتى‏ 1953‏، وهي المادة الأولى من الباب السادس من الدستور وعنوانه: أحكام عامة، ونصت على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية‏.‏ وكانت شكلت لجنة وضع هذا الدستور في أبريل سنة ‏1922‏ من ثلاثين عضوا، عدا رئيسها حسين رشدي باشا رئيس الوزارة السابق ونائب رئيسها أحمد حشمت باشا وزير المعارف السابق، وكان أعضاؤها الثلاثون من النخب السياسية العليا ذات الاتصال الوثيق بالحكم ورجاله، وهم إما من رجال السياسة المتصلين بالملك، وإما من رجال حزب الأحرار الدستوريين، وهم جلهم من ذوي التعليم والثقافة غير التقليدية، وليس فيهم من يمكن أن يكون ممثلا لما نسميه اليوم بالتيار السياسي الإسلامي، وجلهم ذوو تعليم حديث ونزوع ثقافي آخذ من الفكر الوافد ومدارسه ، مثل: علي ماهر، وعبد اللطيف المكباتي، وعبد الحميد بدوي، ومحمد علي علوبة، وعبد العزيز فهمي، وإبراهيم الهلباوي، وفيها من ذوي الثقافة والتعليم الديني الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق، والسيد عبد الحميد البكري شيخ الطرق ونقيب الأشراف، والشيخ محمد خيرت راضي، كما كان فيها من المسيحيين يوسف سابا باشا، وقليني فهمي باشا، وإلياس عوض بك، وتوفيق دوس بك، كما كان عضوا بها الأنبا يؤانس نائب البطريرك وقتها، وهو من تولي البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس الخامس في سنة ‏1927‏، واستمر بطريركا بضع عشرة سنة حتى وفاته، كما كان فيها يوسف أصلان قطاوي باشا من اليهود‏.‏

وتذكر مضابط أعمال اللجنة أن لجنة وضع المبادئ اقترح عليها الشيخ محمد بخيت في ‏19‏ مايو سنة ‏1922‏ أن ينص الدستور على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، فطرح الرئيس حسين رشدي باشا الاقتراح للتصويت فتقرر بالإجماع قبوله‏..‏ ولما تلا النص في اللجنة العامة في ‏14‏ أغسطس ‏1922‏ قررت الهيئة الموافقة عليه بالإجماع، وتلا نص المادة بجلسة ‏3‏ أكتوبر ‏1922‏، فوافقت الهيئة عليه بالإجماع،

ومعنى ذلك أنه بمجرد اقتراح هذا النص ووفق عليه بالإجماع بغير تحفظ ولا مناقشة، وبغير أن يظهر أنه أثار حرجًا أو قلقًا أو عنتًا، وذلك في جو فكري يفوح في فكره عبير الليبرالية ، والإجماع يشمل هنا أعضاء اللجنة غير المسلمين، وهم يبلغون نسبة تشارف ‏20%‏ من العدد الكلي، وأن من يطالع أعمال هذا الدستور إبان إعداده في داخل اللجنة أو في خارجها على صفحات الصحف، يعرف إلى أي مدى كُفل لإعداده جو من حرية التعبير ومناقشة سلطات الملك والشعب والتمثيل النسبي لغير المسلمين وغير ذلك، كفل له من ذلك ما يكشف عن أن الرضاء الذي قوبل به نص دين الدولة كان يفيد القبول الأوسع والأشمل‏.‏

لقد كان الجميع على وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة بمصر، ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية، لذلك انتهوا إلى أن دين الدولة الرسمي الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية قولا واحدا لم يكن بحاجة إلى جدل، وهو تقرير لأمر واقع‏.‏

والحاصل بعد ذلك، أن هذا الحكم الدستوري ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور‏1930 (‏استمر نحو خمس سنوات ثم عاد دستور ‏1923)‏ ودستور‏1956‏ في عهد ثورة ‏23‏ يوليو ‏1952، ودستور ‏1964‏، ودستور‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك إلا دستور ‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا، بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري، وقد زال بانفصال سوريا في‏1961.‏

وإن دلالة استمرار النص على دين الدولة الرسمي الإسلام عبر الدساتير المختلفة دلالة مهمة جدًّا؛ لأن مقارنة هذه الدساتير بعضها ببعض تكشف عن أنه لم يكن ثمة نظام دائم لمصر على هذا المدى،‏ فيما عدا الإقرار بعدد من المسلمات؛ منها أن دين الدولة الرسمي الإسلام‏.

كانت هذه الدساتير تتراوح بين النظام الملكي والنظام الجمهوري، وتتراوح بين الملكية المستبدة ‏(1930م)‏ والملكية البرلمانية ‏(1923)‏، وتتراوح في النظام الجمهوري بين النظام الرئاسي والنظام القريب من البرلماني، وتتراوح بين نظام الحزب الواحد ونظام تعدد الأحزاب، وتتراوح بين النظام الاشتراكي القائم على تقييد الملكية العامة وبين النظام الرأسمالي الذي يطلق حرية الملكية الخاصة، وبين…‏ وبين… إلخ.

ولكن بقيت اللغة عربية والدين الإسلامي،‏ وهذا يكشف وجه الثبات الذي لا يوجده الدستور، ولكنه لا يملك إلا أن يعترف به، ويكشف عن أنه نص حاكم لغيره وليس محكومًا بغيره، والمعنى هنا يستفاد بالاستقراء العلمي للتجربة التاريخية للأمة ودولتها‏.‏

معنى دين الدولة الرسمي الإسلام

معنى أن يكون دين الدولة الرسمي الإسلام أن تكون مرجعيتها الفكرية إسلامية، وأن تكون هذه المرجعية الإسلامية إنما تترجح من داخلها الآراء والاجتهادات لما أورده الدستور من مبادئ أخرى تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات، وذلك كله في إطار ما تسعه المرجعية الشرعية وما تتقبله بأي من وجوه الاجتهاد الفقهي المعتبر مما يلائم أوضاع الزمان والمكان وتغير المصالح العامة للأمة‏.‏

ومعناه أيضا أن يكون النظام العام الذي تشير إليه القوانين مشمولاً بهذه المبادئ والقيم، وما تتوافق عليه الجماعة‏.‏ وسنلاحظ تاريخيًّا أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، ومصدرية التشريع تعني مرجعيته، وتشير إلى المورد الذي تستقي منه الأحكام‏؛ لأن دين الهيئة إنما يعني مصدريتها، وإلا كان النص لغوا‏.‏

والحاصل أنه لما وضع هذا النص في دستور ‏1923، لم يظهر سريعا هذا المعنى المستفاد صراحة، أو لم يظهر ظهورا كاملا؛ لأن استقلال مصر الذي عبر عنه هذا الدستور كان استقلالا منقوصا، فهو استقلال يصدعه الوجود العسكري البريطاني في مصر، وينعكس في إرادة سياسية أجنبية استعمارية، كما كان يصدعه وجود الامتيازات الأجنبية‏.‏

فلم تكن مصر مكتملة السيادة فيما تصدر من تشريعات لا تطبق على الأجانب إلا بموافقة المحكمة المختلطة، ولم تكن مكتملة السيادة القضائية لانحسار سلطة القضاء المصري الوطني عن الأجانب كلهم، وعن كل المنازعات التي يكون الأجنبي طرفا فيها، حتى لو كانت منازعات ضد المصريين أو ضد حكومة مصر‏.

لذلك لم يمكن أن ينعكس حكم هذا النص على الواقع التشريعي سريعا، ولم يتحقق الاستقلال التشريعي لمصر إلا بعد إبرام اتفاقية منترو في ‏1937‏ التي أنهت الامتيازات الأجنبية، ولم تنته المحاكم المختلطة طبقًا لهذه الاتفاقية وتسترد مصر سيادتها القضائية كاملة إلا في ‏1949.‏

ومع بدء الاستقلال التشريعي بدأت في مصر مرحلة إعداد مجموعات من التشريعات، كان أشهرها طبعا القانون المدني الذي استغرق العمل فيه بضع عشرة سنة حتى صدر في ‏1948‏، وبدأ تطبيقه مع إلغاء المحاكم المختلطة في أكتوبر ‏1949.‏

وكان نص مادته الأولى أنه عند غياب النصوص التشريعية يرجع القاضي إلى العرف، فإن لم يجد لجأ إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإن لم يجد لجأ إلى القانون الطبيعي وقواعد العدالة‏.‏ ويتعين ألا نفهم خطأ من تقديم القانون المدني للعرف على الشريعة الإسلامية أنه تفضيل له عليها؛ لأن من يعرف مصر يعرف أنه لا يقوم بها عرف معترف به من الناس، ومعترف بالالتزام به بينهم، لا يقوم عرف بها ويكون مخالفا لمبادئ الشريعة الإسلامية‏.‏

ونحن نلحظ أن من أعاد الفاعلية للكثير من أحكام الشريعة في الدراسات المقارنة ومن طالب بها هم مجموعات من الفقهاء المحدثين وعلماء القانون، وعلى رأسهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري؛ ذلك لأنه ليس هناك أجدر من هؤلاء معرفة بعمق الفقه الإسلامي ومبادئه القانونية وقدرته بمناهجه التفسيرية على التجدد‏.‏ وهؤلاء في غالبهم هم من خريجي كليات الحقوق التي لم تكن لها صلة عضوية بالأزهر الشريف، ولم يكن بها من الأزهريين إلا الأعلام الذين يدرسون الفقه الإسلامي، بحسبانه مادة واحدة في كل سنة، والغالبية من الأساتذة هم ممن درسوا الفقه الفرنسي بمصر وفرنسا،‏ فلم يكن من هؤلاء من يسمى الآن بالتيار الإسلامي أو التيار السياسي الإسلامي‏.‏

وأنا أذكر أن من هؤلاء الأساتذة الذين درسنا على أيديهم الدكتور شفيق شحاتة، وهو فقيه قبطي مصري، كانت دراساته غاية في العمق، وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الإسلامي، وبعد سنوات عرفنا أن رسالته للدكتوراة كانت عن نظرية الالتزامات في القانون المدني على المذهب الحنفي، وكان الأستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد إبراهيم‏.‏

فالشريعة الإسلامية فيها جانب ديني عند المسلم، وهي عند المسيحي فقه وأحكام ووجهات نظر‏.‏ ومنذ الثلاثينيات من القرن العشرين اعترفت المجامع الفقهية الدولية بها باعتبارها من المدارس في الفقه العالمي‏.
………….

هل صارت مصر إسلامية بقرار السادات؟

إن العرض السابق يظهر بجلاء أن المادة ‏2‏ من دستور ‏1971‏ لم يضعها الرئيس السادات من عنده ليكسب شعبية زائفة،‏ ولا كانت مجرد نص مصطنع ليدغدغ به عواطف الجهلة‏.‏ والنص موجود من ‏1923‏ بإجماع واضعيه، وباق أيضا باستقراء تاريخي كامل، وهو أثبت من غيره إطلاقا‏.‏

وهو ليس نصا يقوم به حزب أو جماعة سياسية من أجل الانتشار ودغدغة العواطف، ودين الدولة الإسلام يقتضي بذاته الجزم بمصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع، وإلا كان النص لغوا، وليس يصح في الأذهان أن يكون أثبت نص في الدستور هو ما يوصف بكونه لغوا،‏

ولا يصح في الأذهان قط أن يقال: إن المجتمع المصري عرف الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع منذ اعتلاء السادات أريكة حكم مصر في ‏1971‏، وإنه عرف الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع منذ شهر مايو سنة ‏1981‏ بالتعديل الدستوري الذي أدخله السادات‏.‏ والسؤال العجيب هو‏:‏ هل صارت مصر إسلامية بقرار من الرئيس السادات ولم تكن كذلك قبله؟

أنا لا أجحد حقيقة أن الرئيس السادات إنما أراد بهذا النص أن يؤلف قلوب المصريين؛ ليتمكن من تعديل الدستور بما يتيح له الترشيح للرئاسة لأكثر من مدتين، ولكن هذا لا يعني أن مصدرية الشريعة الإسلامية كانت أمرا غير وارد ولا مهم،‏ بل إن محاولته استغلال هذا الهدف الشعبي العام لتحقيق مصلحة ذاتية له في أمر آخر إنما هو إقرار بأهمية هذا الهدف العام، وإلا لما كان سانحا له أن يؤلف به القلوب‏.‏

ونحن نعرف في مناهج تحليل الأحداث التاريخية أن الحدث التاريخي أو الحدث العام الذي يشمل أو يؤثر في جماعة كبيرة يندر أن يكون له سبب وحيد، إنما هي مجموعة من الأسباب تتجمع لإحداثه بأثره البعيد، وفي وقت محدد بعينه، وفي مكان معين‏.‏

هناك ما يمكن أن نسميه وعاء السببية لهذا الحدث، أو مجموعة الأسباب المحدثة له.‏ ونقول أيضا: إن أمرا حدث عندما توافرت أسبابه وانتفت موانعه؛ لأن السبب عندما يتوافر يمكن أن يبطله مانع معاصر له أو لاحق عليه‏.‏ وتتراوح الأسباب بين الجوهري والثانوي، وبين العام والخاص، وكل ذلك يؤثر في تشكيل الحدث، وفي أنواع الآثار التي تترتب عليه‏.‏

فمثلا، اشتعال الحرب العالمية الثانية في سبتمبر ‏1939، وهي الحرب التي استمرت على نطاق العالم لمدة ست سنوات، وحطمت مدنا ودولا، وقتلت عددا من البشر يتراوح بين ‏32‏ و‏60‏ مليون شخص، حسب اختلاف التقديرات‏.‏ هذه الحرب يمكن أن يقال: إن سببها هو احتلال هتلر زعيم ألمانيا النازية وقتها لميناء دانزج التابع لبولندا رغبة في التوسع والمجد الذاتي للزعيم الدكتاتور، ويمكن أن يقال: إن سببها أن هذا الميناء متنازع عليه تاريخيا بين ألمانيا وبولندا، ويمكن أن يقال: إن ألمانيا كانت تثأر لنفسها مما فرض عليها من هزيمة في الحرب العالمية الأولى ‏(1914‏ـ ‏1918)، ويمكن أن يقال: إنه صراع عالمي بين الدول الاستعمارية الكبرى حول إعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بينها حسب قوتها المتغيرة‏.‏ وكل هذه الأسباب صحيحة، وإن تجمعها بين سبب خاص وسبب عام هو ما أدى إلى حدوث الحرب في وقت معين ومكان محدد، وشمولها للعالم واستمرارها سنوات‏.‏

ومثلا النحاس باشا رئيس الوزارة الوفدية بمصر ألغى معاهدة ‏1936‏ بين مصر وبريطانيا، وذلك في أكتوبر سنة‏1951، وكان ذلك استجابة لمطلب شعبي وطني شامل، كما كان استجابة لتراث الوفد الوطني وقتها، كما كان من شأنه أن يقوي وزارة الوفد ضد مؤامرات القصر الملكي ويضعف المعارضة الشعبية ضدها‏..‏ وكل هذه الأسباب صحيحة، وإن تجمعها هو ما قام به الحدث من وزارة معينة في تاريخ محدد، وامتد أثره من بعد فيما لا وجه لتكراره الآن‏.‏

وبالمثل فإن نص المادة ‏2‏ من دستور‏ 1971 هو أولا سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أو المصدرية، والسادات أراد أن يؤلف قلوب المصريين لنفسه بأن يستجيب لمطلب لديهم له هذه الأهمية‏.‏

النصوص يفسر بعضها بعضًا

نقطة أخيرة أختتم بها حديثي، فنحن عندما نفسر أي قانون ونستقرئ أحكامه لا ننظر إلى كل نص فيه على حدة، نحن نتفهم كل حكم بما يعنيه، ثم نضع أحكام القانون كلها جنبا إلى جنب؛ لأن كل نص إنما يحد من إطلاق غيره، ولأن المعنى المستفاد من أي نص إنما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخرى، ولأن السياق هو الذي يضبط المعنى ويظهر وجه التفسير، واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة، والحكم الواحد تتكشف حدود معناه وضوابطه من موضعه من الأحكام الأخرى، وهذا ما يطلق عليه تعبير: النصوص يفسر بعضها بعضا‏.‏

وطبقًا لهذا المفاد فإن وجود نص المادة الثانية من الدستور بين نصوص هذا الدستور وبين الأحكام الأخرى المتعلقة بالمساواة بين المواطنين، وإن اختلفت أديانهم أو مذاهبهم، إنما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص ما يفضي به النص الآخر، ومن ثم يكون ملزما -من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الإسلامية للقوانين- أن يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مبادئ الدستور الأخرى وأحكامه الأخرى، وذلك في نطاق ما تسعه مبادئ الشريعة الإسلامية من وجهات نظر‏.

إن الفقه الإسلامي يقر تعددا في الآراء وتنوعا في الحلول في إطار ما تسعه نصوص الأحكام، وفي هذا التعدد والتنوع يعرف الفقهاء أن صاحب الولاية يمكن أن يرجح رأيا من هذه الآراء على رأي آخر، فيصير هو الرأي الفقهي الملزم للجماعة‏.‏

ونحن عندما نحيط الدولة رسميا بدين الإسلام، ونقرر مصدرية الشريعة في ذات الأحكام الدستورية التي تقر بالمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات العامة والخاصة، نحن بذلك نكون قد أقررنا -بما للدستور من تنظيم الولايات العامة- بأننا ملتزمون دستوريا بتبني الرأي الفقهي الذي تسعه أحكام الشرع الإسلامي، وهو ما يدعم ويؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين وغيره من المبادئ الواردة بالدستور مما تسعه مبادئ الشريعة‏.‏

أما إذا أسقطنا هذا الحكم الوارد بالمادة ‏2‏ من الدستور، فإن الدستور يفقد هذه الصلة الوثيقة بين المبادئ التي يحرص على تثبيتها لدى الجماعة السياسية وبين مبادئ الشريعة الإسلامية فيما تسعه من أحوال ومبادئ‏، ومن ثم لا يقوم هذا الترجيح الذي يملكه ولي الأمر في الجماعة بين ما تحتمله نصوص الأحكام الشرعية وأحكامها من تباين وتنوع واختلاف‏.‏

والإسلام، كما نعرف جميعا، أيا كانت درجة إيماننا به، هو قديم لم يأت به نص دستوري، وهو باق لا يلغيه تجاهل دستوري، ولذلك فإن التعامل معه خير للدولة بمؤسساتها وللجماعة بفصائلها من التجاهل له،‏ والحمد لله.

المستشار طارق البشري
07-03-2007
………………….
……………
…….

(وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)

 

أخشى ما أخشاه في فورة الفرح بالانتصار أن ننسى الشريعة… وأن ننسى أننا دولة مسلمة بحكم الواقع والتاريخ والدستور…

إذا لم يكن هذا هو الوقت المناسب لننادي بتطبيق الشريعة الإسلامية ..فمتى؟!!

إذا لم يكن هذا هو الوقت المناسب ليضع فيه السلفيون يدهم في يد الإخوان للمناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية وبشكل عملي… فمتى؟!!

هل يمكن أن يكون سقوط الرئيس مبارك أصعب من التقارب بين الإخوان والسلفيين؟!!

يا عقلاء الأمة..
حان وقت المراجعة…
والعهد الجديد يجب ما قبله.

البرادعي والمادة الثانية من الدستور

 

المادة الثانية من الدستور خط أحمر..

ليس هذا فحسب… بل إن إسلامية الدولة لا يجب أن تقتصر على مادة واحدة في الدستور… وإنما يجب أن تكون واضحة في جميع مواده… لو لم يكن بنص صريح فعلى الأقل بروح غالبة.

ولذلك فمن المهم أن يشارك إسلاميون في صياغة الدستور الجديد… والحمد لله أن كان الإخوان المسلمون طرفاً فاعلاً في هذه الثورة.
…………

بقيت أربع نقاط سريعة للتوضيح وللأمانة وللتاريخ أرجو أن نستوعبها بعقلانية بعيداً عن الإثارة والصوت العالي والاتهامات بغير دليل…

1- المادة الثانية في الدستور هي نص "كاشف"، وليست نصاً "منشئا"… بمعنى أن كون مصر دولة إسلامية وأن مباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع هذه حقيقة سواء تم النص عليها أم لا…

مثل أن تقول مصر دولة عربية، أو مصر تقع على شاطيء البحر المتوسط، أو سكان مصر رجال ونساء…

هذه نصوص تؤكد حقيقة قائمة وتكشف عنها… ولكنها لا تنشيء لواقع جديد مثل أن تقول مثلاُ: النظام في مصر رأسمالي.. لأنه كان يمكن أن تقول: النظام في مصر اشتراكي… هنا أنت تنشيء واقعا جديداً. أرجو أن تكون النقطة واضحة…

وجود هذا النص من عدمه لا يغير من الواقع شيئاً…

ولكني شخصياً مع إبقائه ومع إبطال كل الجهود لحذفه… ولا أظن أنها سوف تنجخ أو تلقى أذنا صاغية…

إيقاؤه ضروري في هذه الظروف حتى نقطع الطريق أمام أية محاولات مستقبلية خبيثة لتغيير هوية الدولة فيما بعد بالضغوط الخارجية أو المؤمرات الداخلية.

2- مع وجود هذه المادة في الدستور يجب أن نتأكد أنه ليست هناك مواد أخرى في الدستور تتعارض معها… وهنا يجب التعامل بحرض مع مواد أخرى قائمة حالياً أو يراد إضافتها للدستور. بمعنى أننا لا نريد هذا النص "بركة"… مثل أن نضع مصحفاً مغلقا في السيارة… ولكننا نريد تفعليه… واستخدامه والإشارة إليه في قوانيننا وأحكامنا القضائية… كما نريد توضيحاً من علمائنا لإخواننا الأقباط أن هذا النص لا يضرهم ولا يمسهم بسوء ولا ينتقص من حقوقهم.

3- يوجد بعض الإسلاميين يرددون بسذاجة… نحن لا نريد دستوراً… فدستورنا هو القرآن الكريم… والحقيقة أن اتباعنا للقرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعارض أن يكون لنا دستور ذو صياغات قانونية واضحة توضح طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ونظام الدولة والعلاقات الخارجية… ويضمن لأفراد المجتمع حقوقه في التعليم والصحة والعمل… أرجوكم لا نريد أن نهبط لمناقشة هذه البدهيات مرة أخرى… فشكلنا سيكون سيئاً جداً.

4- إنصافاُ للرجل المظلوم دائماً… والمتقدم دائماً عند الخطر… والمبتعد دائماً عند توزيع الغنائم الدكتور محمد البرادعي… فالرجل لم يكن أبداً حليفاُ لأمريكا وإسرائيل… ولدي عشرات الشواهد على ذلك بل إنه أبعد عمداً عن التجديد له في منصب وكالة الطاقة النووية لمواقفه المشرفة وغير المسبوقة ممن قبله أو من بعده… ضد حرب العراق، ومع حق إيران في امتلاك الطاقة النووية… وهو الوحيد في العالم في منصبه هذا الذي طالب بإخضاع منشآت إسرائيل النووية للتفتيش…

أما موقفه من المادة الثانية للدستور… فقد كان يرى في تصريحاته الأولى أننا دولة إسلامية في كل الأحوال… ولا مانع من حذف هذه المادة لأنها لا تضيف جديداً ولكنها يمكن أن تشكل وسيلة لاستفزاز الغرب ثم التعرض لابتزازهم  بلا داعي…

ثم عاد عن هذا الرأي واكتشف أنه لم يكن صائباً بعد أن استمع لعدد من الإسلاميين واقتنع  بكلامهم… وأعلن بوضوح أنه مع بقاء هذه المادة وضد شطبها (راجع برنامج في الصميم مع قناة العربية في العام الماضي)…

وستكشف الأيام المزيد عن بطولات هذا الرجل الفريدة والتي لا تعادلها أية بطولة في نجاح هذه الثورة… وأن كل الاتهامات التي وجهت إليه هي اتهامات كاذبة…

أقول ذلك إحقاقاً للحق… مع أنه أعلن أنه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية… وإذا رشح نفسه… فمن الممكن ألا أعطيه صوتي إذا رشح نفسه من هو أجدر منه بالمنصب وهم كثيرون.
…………

هذه كلمة حق عن الرجل… وفيما عدا ذلك… فله وعليه شأنه شأن الجميع.

لكنه ليس عميلا لا لأمريكا ولا إسرائيل…
وليس انتهازياً…
وليس ساذجاً أو تافهاً كما يردد البعض بغير علم.
….

هذا الرجل في رأيي وفي ضوء متابعتي له … هو غاندي مصر.

وقد أكون مخطئاً أو مخدوعاً..

وإذا كان هناك ما لا أعرفه عن الرجل مما يطعن فيه…
فنلعنه ولنناقشه بهدوء وموضوعية…
فقد مضى عهد الخوف…
ومضى معه عهد الإساءة والتجريح.
…………………
…………
………

وظيفة خالية: رئيس جمهورية مصر العربية

 

يعلن الشعب المصري عن خلو منصب "رئيس الجمهورية"، فعلى من يرى في نفسه الكفاءة لتولي هذا المنصب تقديم أوراقه إلى مجلس الحكم المؤقت.

شروط الوظيفة:

1- يمتلك رؤية وبرنامجاً واضحاً عن مستقبل مصر ودورها الإقليمي والدولي
2- قادر على التواصل مع الجماهير وتعبئتها وجعلها تلتف حول أفكاره
3- مقبول شعبياً ويجيد الإصغاء وعلى دراية تامة بأوضاع المصريين
4- ملتزم دينيا وأخلاقياً ويتمتع بالنزاهة وحسن السمعة
5- جريء ووطني ويؤمن بالحرية والديموقراطية وذو تاريخ مشرف
6- من أب وأم مصريين وليست له جنسية أخرى وعمره بين 40 و 65 عاماً
7- حازم وسريع في اتخاذ قراراته ويحيط نفسه بمستشارين من ذوي الخبرة والنزاهة
8- يملك علاقات واسعة في الداخل والخارج
9- مثقف وناضج سياسياً وملم بالتاريخ المعاصر والعلاقات الدولية
10- متزن نفسياً واجتماعياً وأسريا

تقدم الطلبات إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في موعد أقصاه يونيو 2011، ولن يلتفت إلى الطلبات غير مستوفية الشروط.

هذا ويتاح للمرشحين المستوفين للشروط فرصة عرض أفكارهم وبرامجهم في حملات دعائية تستمر لمدة شهر كامل ، قبل إجراء استفتاء عام يقوم الشعب المصري من خلاله باختيار الرئيس للفترة القادمة، ومدتها أربع سنوات.

والله ولي التوفيق.

لماذا لا يزال هناك من يدافعون عن مبارك؟

 

لم أتعجب أن هناك قطاعاً عريضاً من المصريين رغم كل ما حدث ، ورغم كل ما نشر عن مفاسد وخطايا لا يزالون يدافعون عن الرئيس السابق محمد حسني مبارك ويشعرون حياله بالشفقة، وغير راضين عما حدث له خاصة من كبار السن ومنهم كثيرون من أقاربي… وقد اكتشفت أن الناس في القرى أكثر حزناً على مبارك منهم في المدن… وأن الفقراء المحرومين أكثر إشفاقاً عليه من الأثرياء المستورين… وهي ظاهرة تبدو متناقضة… ولكنها قابلة للتأويل.

والمصريون بطبعهم عاطفيون… وكلما سمعنا أنباء عن تردي صحته أو اعتلال مزاجه أصابنا القلق… إذ ربما كنا مخطئين أو متجاوزين لحدنا… أو (زودناها شوية)… وأن الرجل ربما لم يكن بهذا السوء… ولسنا ملائكة بلا أخطاء لنضع أنفسنا في هذا الموقف الذي يهاجم الرجل بهذه القسوة وهذه الحدة.

ولأن هناك إحساساً عالياً لدى المصريين كشعب متحضر بالمسئولية الدينية، وخوفاً من الله سبحانه وتعالى أن يعاقبهم لأنهم غير عادلين أو منصفين في تعاملهم مع الرئيس السابق… خاصة أنهم لم يصدقوا أنهم قادرون على خلعه بهذا اليسر… فبعضهم في قراراة نفسه يخاف من المستقبل… ويخاف من أن يكون قد استدرج لعمل لا يرضاه الله عز وجل… ورضى الله مقدم على ما سواه.

هذا شعور طبيعي … وكانت الست أمينة في السكرية زوجة السيد أحمد عبد الجواد تقول لابنها كمال الذي يشارك في المظاهرات لطرد الإنجليز… (حرام عليك يا ابني… دول عِشْرة برضه..). وهذا في رأيي هو المنطق الأغلب الذي يفكر به المصريون… رغم أن الرئيس – كما هو منشور في صحيفة الإندبنت من يومين وبناء على توصية نجله وبشهادة مقربين منه أمر الجيش بضرب المتظاهرين بالطائرات – ولكن الجيش رفض.

هناك سبب آخر مرضي… وهو ما يسمى ب"متلازمة استوكهولم"… وأصل الحكاية أنه عام 1973 هاجم بعض المسلحين أكبر بنك فى مدينة استوكهولم واحتجزوا بعض الموظفين كرهائن، وعلى مدى أيام حاول رجال الشرطة السويديون التفاوض مع الخاطفين من أجل إطلاق سراح الرهائن. وعندما نفذت الشرطة هجوما مفاجئا ونجحت فى تحرير الرهائن. حدثت المفاجأة: فبدلا من مساعدة الشرطة فى مهمتها، راح بعض المخطوفين يقاومون محاولة تحريرهم، بل إنهم أبدوا تعاطفهم مع الخاطفين وظلوا يدافعون عنهم وذهبوا ليشهدوا لصالحهم بعد ذلك أمام القضاء.

درس أطباء النفس هذه الظاهرة الغريبة وقاموا بتحليلها وخرجوا بهذا التوصيف للمرض الذي عرف بعد ذلك بمرض استكهولم والذي يصيب حوالي 25% من ضحايا الخطف والاعتداءات الجسدية بأنواعها المختلفة،

تشير هذه النظرية أن بعض الناس عندما يتعرضون إلى الخطف أو القمع والاعتداء الجسدى أو حتى الاغتصاب بدلا من أن يدافعوا عن كرامتهم وحريتهم، فإنهم مع تكرار الاعتداء يتعاطفون مع المعتدى ويذعنون له تماما ويسعون إلى إرضائه.

والسبب في ذلك هو أن الإنسان عندما يتعرض إلى القمع والإذلال، ويحس بأنه فاقد الإرادة لا يملك من أمره شيئا وأن الجلاد الذى يقمعه أو يضربه أو يغتصبه، يستطيع أن يفعل به ما يشاء..يكون عندئذ أمام اختيارين: إما أن يظل واعيا بعجزه ومهانته وينتظر الفرصة حتى يثور على الجلاد ويتحرر من القمع، وإما أن يهرب من إحساسه المؤلم بالعجز وذلك بأن يتوحد نفسيا مع الجلاد ويتعاطف معه.

وكذلك فإن عدداً من أفراد الشعب الذى يعانى من الاستبداد والقمع لفترة طويلة قد يُصاب بمرض استوكهولم فيتوحدون نفسيا مع من يقمعهم ويذلهم، ويعتبرون الاستبداد شيئا إيجابيا وضروريا لحكم البلاد. كما يقول الدكتور علاء الأسواني.
…………..

أعتقد أن المصريين قد تخلصوا من هذا المرض بقيامهم بثورة 25 يناير وإصرارهم على نجاحها… وهو النجاح الذي لم يكن مقتصراً فقط على الشباب وإنما شارك فيه المصريون جميعاً على اختلاف أعمارهم وفئاتهم وتجمعاتهم السكنية والمهنية. ليشاهدوا بأنفسهم تطبيقاً لسنن كونية لا تتغير ولا تتبدل مثل:

"وينزع الملك ممن يشاء"
"و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"
"وخاب كل جبار عنيد"
"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"
"ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاسبتقوا الصراط فأنى يبصرون"

وليس من شيم المصريين ولا ثقافتهم ولا أخلاقهم أن يتجاوزا في الإساءة إلى الرئيس السابق… بل إنني عن نفسي لا أقبل من أي شخص – خاصة إذا كان غير مصري- أن يقول كلمة إساءة أو تهكم أو سخرية واحدة عن الرجل… وكل ما أقوله: هو أن الرجل أدى دوره… ثم ترك مكانه لآخرين ليكملوا المسيرة… وإذا كان هناك من أخطاء فسيكشفها التاريخ… وإذا كان لنا من حقوق فنأخذها بالحق والقانون.

بقي أن أقول إن المدافعين عن مبارك اليوم أشرف وأطهر ألف مرة من "المتحولين" و "المتلونين" الذين كانوا يعتبرونه من أسبوع فقط نصف إله امتلك كل الحكمة وكل العطف وكل الإنجاز … أما اليوم فهو بأقلامهم وعلى صفحات جرائدهم وفي فضائياتهم أستاذ إبليس اللعين.
……………..

لا وقت للألم…
لا وقت للقلق…
لاوقت للشماتة….
لا وقت للتشفي…..

الوقت للبناء.

من التغيير إلى التعمير

سنظل نتعلم ما دمنا على قيد الحياة.

وسأظل أحتفظ ببقايا مثاليات الطفولة وآداب التربية ما قدر الله لي ذلك.
وسيظل التسامح والتصالح هو مقياس القوة الحقيقية بخلاف التشفي والانتقام.

تعلمت أن الحب أصعب من الكراهية
من السهل أن تبغض وتكره وتسيء إلى الآخرين.
ومن الصعب أن تحب.

من السهل أن تهدم… ومن الصعب أن تبني.

من السهل أن تهاجم وتنقد وتتهم الأشخاص والمواقف والأحداث…
ومن الصعب أن تمدح وأن تشجع وأن تغفر.

الكراهية يستطيعها أي أحد
فلا تميز فيها ولا فضل ولا مجهود.
أما الحب – المجرد عن الهوى – فلا يستطيعه إلا أصحاب القلوب الكبيرة وقليل من هم.

لم أكره الرئيس السابق – وربما كانت هذه هي مشكلتي مع كثير من الثوار.
لكني بكل تأكيد
أحب مصر…
أحبها بكل جنون اللحظة
وبكل قوة الأمل في غد مشرق…
وبكل عزم الطموح إلى أن تتبوأ مكانتها التي تليق بها كدولة عظيمة…
وبنا كشعب عظيم.

…………..

هذه الثورة من مراحل ثلاث،
1- مرحلة إسقاط النظام برأسه ورموزه
2- مرحلة الإعداد للعهد الجديد وفق مباديء الثورة
3- مرحلة تطبيق المباديء وحماية مكتسبات الثورة من مخاطر الداخل والخارج.

ولكل مرحلة آلياتها ورجالها وأهدافها. وما قادنا إلى النجاح في مرحلة… لا يصلح بالضرورة في كل المراحل.

رغم كل هذه التضحيات والفرحة المشروعة…
أذكركم أننا قطعنا نصف الطريق في المرحلة الأولى…
الثورة لم تنتهي برحيل مبارك
وإنما بدأت…
الطريق طويل…
والقادم أصعب.

ونحن بحاجة إلى كل الجهود…. حتى أؤلئك الذين اختاروا النظام القديم… فكثير منهم اختاروه حباً في مصر ورغبة في الاستقرار وخوفاُ من الفوضى… ومن اجتهد وأخطأ فله أجر..

مصر الجديدة تحتاج كل من اجتهد أخطأ أم أصاب… لكن لا مكان فيها لمن سرق ونهب وغش وعذب.
……………

الآن وليس غداً…
نريد أن يتحول جيل التغيير
إلى جيل التعمير

في التغيير كان سهلاً أن نتفق على الهدف…
فقد كان هناك رئيس واحد.

وفي التعمير من الصعب جداً أن نتفق
لأن النصر – خاصة إذا كان عظيماً-
له ألف رئيس ورئيس.
……………….
………..
…..